الثلاثاء، 16 يوليو 2013

{ فَلا يَستطِيعونَ توصية وَ لا إِلى أهلِهم يرجِعون }

- أحان الرحيل؟ حقاً؟ أنظِرُوني أصلي ركعتين... أؤدي ديْني... أوصّي وِلدي... و لكن، أين وِلدي؟ كلٌ مشغوله وَ لاهٍ وَ أنا في هذا البيت المُوحِش وحدي...
ثم ارتحَل.

- يا إلهي، حتى في آخر لحظات حياتي أنا غير قادرة على الكلام، أمضيتُ حياتي خرساء... بكماء، وَ ها قد جاء ملَكُ الموت وَ أنا لا زلت عاجزة، أنا اليوم عاجزة أكثر من أي يومٍ مضى... كيف أُخبِر من حولي بأنني مُفارِقة لا محالة؟ كيف أعترف لهم بأنني لطالما تكاسلتُ عن أداء الصلاة لربما يصليها أحدهم بالنيابة عني؟ كيف...
وَ كانت الخاتِمة.

- الهدوء يطغى على الدار، كلٌ ذهب إلى فراشه... فلأُصلّي الليل ثم أنام. أ...أ... يا إلهي أهِيَ النهاية؟ لطالما انتظرتُ الفرج منك... وَ أردتُ الخروج من سجن الحياة إلى حياة الراحة، إلى دار لطفك وَ كرمك وَ رحمتك... الحمدلله الذي شاء أن يقبض روحي وَ أنا على عِبادة، وَ لكم وَددتُ أن أُوصي ابنتي بأن تسير على طريقي، بل بأن تكون أفضل مني... لكنني حتماً راحِل، وَ رحيلي لا يحتمل التأجيل... لو....
وَ انتقل إلى دار الخلود.

- يا إلهي، كلما وقعت عيناي على الأجهِزة ازدددتُ ألماً، فقد كنتُ أكثر أخِلّائي نشاطاً وَ اليوم أنا مُسجّىً على فِراش المرض وَ محاط بشتّى أنواع الأجهزة، غرفتي لا تكادُ تخلو من طبيبٍ أو مُمرّض، زوّاري... زواري يتحاورون مع بعضهم وَ أنا أسمعهم... وَ فقط أسمعهم، فجهاز التنفس الذي وُضع على أنفي وَ فمي يمنعني من الكلام.... يا إلهي!! أهذهِ آخر لحظاتي في الدنيا؟ إلهي.. يا ربي، أنا غير قادر على إزالة هذا الجهاز اللعين لأتحدث، كيف أخبر من حولي بأن لي على جاري ٥٠ درهماً... كيف ؟
وَ كانت النِهاية

...


* قال الله تعالى في كتابهِ العزيز : { كُتِب عليكم إذَا حضر أحَدكُم المَوت إِن تركَ خيراً الوصيّة للوالدينِ وَ الأقربين بالمعروفِ حقاً على المُتّقين }
* عن الرسول الكريم (صلى الله عليهِ وَ آله وَ سلّم) : "ما ينبغي لاِمرئ مُسلِم أن يبيت ليله، إلا وَ وصيّتهُ تحت رأسِه "

الأربعاء، 10 يوليو 2013

نصيحة لوجه الله أم إبعاد عن الله ؟


كثيرة هي النقاشات في تويتر وَ غيره حول الدين وَ شعائره وَ رفض البعض لهذه الشعائر وَ وَ وَ ... المشكلة أن الكل يتحدث وَ كأنه العارف الوحيد بالدين وَ الأعلم بأموره . حسناً... أنا أيضاً أعتقد بأن توجهي الديني صائب - وَ لو كنت أعتقد غير ذلك لتركته ! - لذلك حين أواجه توجهاً دينياً مختلفاً أُبدي رأيي أو نصيحتي إن لزمت. وَ لكن تبقى في الأخير نصيحة، وَ فقط نصيحة ! لا يحق لي وَ لا لغيري أن نجبر أحدهم على الإعتقاد بما نعتقد أو فعل ما نريد، خصوصاً في العبادة. العبادة التي هي من خصوصيات المرء مع ربه، التي لن يحاسبنا على تقصيرنا فيها أو تأديتنا لها سوى الله .
نعم، أوصانا ديننا بأن نتناصح { كنتم خير أمة أُخرِجت للناس تأمرون بِالمعروف وَ تنهون عن المُنكر } . و لكن العديد ممن يدّعي المناصحة يتخذ أسلوباً مُنفّراً من العبادة، وَ كأنه نسي أن " الدين المُعاملة " قبل أن يكون الصلاة وَ الصيام وَ النُصح وَ القيام، هذا رسول الله عليه وَ على آله أفضل وَ أتم التسليم يدعو الكفار وَ المشركين وَ الملحدين وَ حتى المخطئين من أمته بأحسن أسلوب وَ خير كلام حتى قال الله - تعالى - فيه : { وَ إنك لعلى خلق عظيم } يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في حق المُستنصِح : وَ أما حق المستنصح فإن حقه أن تؤدي إليهِ النصيحة على الحق الذي ترى لهُ أنه يحمل وَ تخرج المَخرج الذي يلين على مسامعه، وَ تكلمه من الكلام بما يطيقه عقله، فإن لكل عقل طبقة من الكلام يعرفه وَ يجتنبه وَ ليكن مذهبك الرحمة . وَ لا قوة إلا بالله .

تذكروا :
{ وَ لو شاء ربك لآمن من في الأرضِ كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }
{ لا إكراهَ في الدين }
{ وَ قل الحَق من ربكم فمَن شاء فليؤمِن وَ من شاء فليكفر }
{ فذكّر إنما أنت مُذكّر * لستَ عليهم بمسيطر }
فقط اقرأوا القرآن وَ تأملوه، ستجدون هذه الآيات وَ أمثالها، لا تقرؤوها كما تقرأون أي كلام عابِر، بل اعتبروا بها وَ تعلموا منها . وَ متى ما أردتم إسداء النصيحة أحسِنوا اللفظ حتى لا تُذهِبوا حسنات النُصح بسيئات التنفير مما نصحتم به، وَ تذكروا أن مهمّتكم هي النصيحة لا الإجبار حتى لا تُساعدوا في إنتاج المزيد من المنافقين المُبتعدين عن الدين { ادعُ إلى سبيل ربّك بالحِكمة وَ الموعظة الحسَنَة وَ جادِلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلمُ بمن ضلّ عن سبيله وَ هو أعلمُ بالمهتدين} .

الأحد، 7 يوليو 2013

لو !

لو وقتك ثمين، لا تقرأها =)

لو أن الليل ، برغم قصره ، ينتهي
لو أن الصباح سيكون بداية لا علاقة لها ببقايا المساء المُنصرم
لو أن الروح تُسافر حيث تشاء وَ يبقى الجسد في سجنه أينما كان 
لو أن لحظات الأسى تنتهي، وَ أيام البُعد تنطوي، وَ لحظات اللقاء تقترب
لو ...
لو أنني أمتلك قدرة أحدهم في نسج حرفه وَ إبراز مشاعره
لو أن أحداً دعاني إلى بحرٍ ليس بالقريب، لكنني أذهب في طرفة عين
لو أن الشتاء يعود وَ هذا الصيف الحارِق ينقضي
لو أن السعادة تُشترى 
لو أن حِسابي على الآسك مليء بالأسئلة، لما أجبت على الأسئلة التافهة تلك
لو أنني أستثمر وقتي بقراءة، بكتابة، بخياطة، بمشاهدة ما يطوّرني وَ ينمّي من قدراتي وَ عِلمي
لو أنني أفهم ماذا كتبت وَ لماذا ؟
لو أن أحدهم أوقف يدي المُنسابة على لوحة المفاتيح تكتب ما لا يعيه عقلي
لو أنني أُتقِن البولندية !
لو ...
لو أنني لا أُفكّر في نشر ما خطّته يداي
لو أنني لم أمتلك حساباً على تويتر
لو أنني أنشأت حساباً في الإنستغرام
لو كان حسابي البنكي في بنك الملينيوم !
لو ...
لو أنني أجرؤ
لو أنني أعترِف
لو أنني أتخلص من كل تلك الشوائب
لو أنني أسوق بنفسي لطريق أُبصر نهايته
لو أنني أستطيع أن أُبصر
لو أنني أمتلك قلادة من اللؤلؤ
لو أن خاتمي الزمرد لم يُغادرني... أعني...
لو أنني لم أتبرّع بخاتمي لأي ( أنا ) أُخرى
لو أنني لم أُعطِ فداء خاتمي الكهرمان !
لو أن أحدهم يهبنِي.... أيّ شيء !!
لو ...
لو أن البشر يمتلكون أذناً خارقة، تسمع كلام العقول
لو أن البصر مُنِح لكل الناس فيرون ما تُخفي الصدور
لو أنني أكبر لأتخرّج من كلية الطب هذه :/
لو أنني أغمض عينيّ ولا أفتحهما حتى سبتمبر وقد أُجيبت دعوتي
لو أنني كنتُ أعلم ....
لو ...
لو أنّ أحدهم دعاني لكوب من القهوة
لو أنني أُحب القهوة هههه
لو أن شخصاً ما يفهم ما اقترفته يداي !
لو ...

الأربعاء، 26 يونيو 2013

مُتّشِحة بالسَواد

مُذ كنتُ صغيرة و أنا لا أُحبّذ لبس الملابس السوداء فهي كما اعتدنا رمز للحُزن.. وَ دليل الحداد هو لبس السواد. إن لم تخنّي ذاكرتي، أنا لم أمتلك سِوى قميص أسود يتيم وَ كنزة، وَ بنطال يتيم أيضاً لأنني كنتُ أظن بأنني لن أحتاج لأكثر من ذلك لمناسبات السنة كاملة، حيث أطول مناسبة للحداد هي أيام محرم العشرة التي اخترت منها ٤أيام فقط للبس الأسود.

و لأن الأسود ذاك غيرني، جعلني أكبر لسنوات عديدة في شهر واحد... جعل قلبي القاسي رقيقاً... جعل مني كومة حزن مُتنقّلة... كومة الحزن تلك التي لم تخرج من دوامة الموت وَ الفقد وَ الألم بعد وَ قد دخلت في سفر الغُربَة، الهجرة، المنفى إن أردتم أيضاً... غيّرتني، صيّرتني سندس أخرى، لا أود تذكرها الآن ") . كومة الحزن هي نفسها اقتلعتني من كوني أنا الأخرى إلى أنا الجديدة... لستُ أنا قبل الأسود وَ الفقد وَ لستُ أيضاً تلك التي حاولت الهروب من الحزن فجذبها إليه... أنا الجديدة وَ فقط =") . لأجل كل ذلك، لأجل المتاهة التي دخلتها وَ المنعطف الذي غيّر حياتي وَ الألغاز التي يكادُ القاريء يتوه في تفسيرها... لأجل ذلك تغيّر فهمي للأسود وَ الاِتّشاح به.

الآن... للأسود في حياتي نكهة خاصة، نكهة ناعي الحُسين وَ مُنتظِر المهدي ( عليهما السلام )، نكهة مَن استعد لآخرته بإستجابته لنداء إمام مذهبه " أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا " ، نكهة مَن دعا حين بكَى وَ بعد ذلك هنِىء بإستجابة ذلك الدعاء، نكهة روحانية مجالس الحُسين وَ جد الحُسين وَ أم الحُسين وَ أب الحُسين وَ أخ الحُسين وَ أبناء الحُسين ( عليهم السلام ) وَ أحباب الحُسين وَ أنصار الحسين..... ياااه ما أجملها من مجالس، نختصر مُسمّياتها بإسم " مجلس الحُسين " . تلك المجالس التي لا يفهم معناها مَن لم يعرف الحُسين وَ آل الحُسين.. الحُسين الذي أحببناه حُباً لرسول الله وَ استجابة لأحاديثه ( صلى الله عليه وَ آله ) كحديث : " حُسين مني وَ أنا من حسين، أَحبّ الله من أحبّ حُسيناً " .




أفهمتم الآن لِمَ تغير مفهومي للأسود؟ لأن الحزن الذي جعلني اتّشِح بالسواد هو ذاته الذي جذبني لمُخلّصي من أي ألم، أي عذاب، أي حالة فقد، أي حالة عُجب، أي حالة تعجّب، أي حالة انكِسار، أي ضياع، أي تشتت... أي هم أو غم.. الحزن وَ ليالي البُكاء جعلاني أتشبّث أكثر بطوق النجاة الإلهي، جعلاني أُبصِر حنان الله علينا وَ قربه منا مهما ابتعدنا.. جعلاني أقترب أكثر و أكثر من أولياء الله مَن هم وسيلتنا إليه.. العين الدامعة حين تقرّبني من الحُسين أقترب من رب الحُسين لا إرادياً وَ كأن حبيبي حُسين كلما أبصر يدي ممدودة تجاهه تلتمس العون وجّهها إلى الله، وَ كأن الحسين كلما رآني أشكو له همي ناداني أن خاطبي الله وَ بثيه همّكِ وَ شكواكِ ♥ =")

الأربعاء، 5 يونيو 2013

لا شيء يدعو للضحك، كل الأشياء تدعو للبكاء


* عجوزٌ عاجزة، ضربها أبنائها ثم رموها على قارِعة الطريق لأنها لم تدفع لهم قيمة " المخدّرات " !
* زوجةٌ عــــــاشِقة تُواسي، تُهدّئ، تُساعِد... فيبادلها شريكها بأشد أنواع البرود العاطِفي وَ الإنساني حتى ! أي عذاب نفسي تعيشه حين تبكي حُزناً فيضحك اِستهزاءً ؟!
* طالبة جامعية، بقدر مذاكرتها ترسب وَ بقدر إهمالها تنجح! المضحِك المبكي أنها لم تعتَد على الاِهمال ")
* زوج، يتغاضى عن سيئات زوجته حتى لا يخسرها وَ هي تُماطل في إصلاح نفسها مُتناسية أنه قد يطلقها أو يتزوج عليها .
* أب حنون، لا يملك سيارة يوصل بها ابنه العليل للمشفى وَ لا يجد مَن يذهب به للطبيب... فيبكي حسرةً أمام أبناءه مُستشعِراً ألم وَ مذلة الفقر .
* قال كلمة حق أمام إمامٍ جائر، فقُتِل ولده وَ اُغتُصِبت زوجته و اعتُقِل هو !! :(
* عروس لا زالت في " شهر عسلها " أصبحت مُطلّقة بسبب أخطاء " تافِهة " وَ عقول " صغيرة "
* ودّع أمه وَ أبيه وَ أصحابه مسافراً لإكمال دراسته، فطُرِد من بلد الاِبتعاث لكثرة فساده وَ تعدد صديقاته الـ...... !!!
* أم تبكي ابنها بشوق العاشق للُقيا معشوقه، وَ هو لا يسأل وَ لا يهتم لأمرها
* أب هرِم... عجز عن تذكر اسم حفيده الغالي لأنه في " أرذل العمر " وَ يحتاج مَن يهتم به وَ كأنه " طفل " ، إلا أنه بات وحيداً فريداً من أهله، مُستأنِساً بخادمه الأجنبي </3


الاثنين، 27 مايو 2013

{ إِلّا ليعبدون } !




يقول الله عزّ وَ جل " وَ مَا خَلَقتُ الجِنَّ وَ الإِنسَ إِلّا لِيَعبُدُون " ، مِن العار أن ننسى الغاية من خلقنا وَ نغوص في بحر ملذات الحياة، نغوص في كمالياتها وَ ننسى أساسياتها..
نعم، حثت التعاليم السماوية على طلب العِلم وَ العمل.. وَ سمحت لنا بأخذ مُتنفّس ترتاحُ إليه أنفُسنا، وَ لكن هذا لا يعني أن تشغلنا مُتنفسات أجسادنا عن متنفسات أرواحنا، وَ لا يعني أن نحرص على تحصيل أعلى الدرجات العلمية الدنيوية وَ نحن متناسون درجات الآخرة..
وَ الأدهى وَ الأمرّ أن نتمتلك المعرِفة بالأمور الدنيوية التافهة في حال نجهل أمور ديننا التي وُجِدنا من أجلها.
مًن المعيب حقاً أن نعبد الله عبادة جُهّال، نخاف منه وَ مع ذلك لا نُطيعه، نحبه وَ نعصيه، نتمنّى رِضاه وَ الجنة وَ نحن نسعى بأنفسنا إلى النار !
قل لي يا طالب العِلم.. أقرأت القُرآن هذا اليوم؟ أَصليت بخشوع وَ خضوع؟ أكانت صلاتك في وقتها أم أخرّتها المُذاكرة/ المسلسل/ السوق ...؟ أَجعلت من فراشك مسجداً حين أسبغت الوُضوء قبل النوم؟

كل يوم نقضيه مُتناسين الله، مُبتعدين عنه هو يوم خُسران! وَ كل الجلسات التي نجتمع فيها دون ذكر الله أو أحد أوليائه ليست إلا حسَرات علينا يوم لا ينفع تقريع الضمير!


اليوم... حاسِبوا أنفُسكُم قبل أن تُحاسَبوا ~


فعَن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصية لأبي ذر (رضي الله عنه): " يا أبا ذر، حاسِب نفسك قبل أن تُحَاسب فإنه أهوَن لِحسابك غداً، وَ زِن نفسك قبل أن تُوزن وَ تجهّز للعرض الأكبر يوم لا تخفى على اللهِ خافية.. يا أبا ذر، لا يكون الرجل من المُتّقين حتى يُحاسِب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه وَ من أين مشربه وَ من أين ملبسه أمِن حلال أو من حرام، يا أبا ذر، مَن لم يُبالي من أين اكتسب المال لم يُبالِ الله من أين أدخلهُ النار "


وَ عن الإمام الكاظم (عليه السلام): " ليس مِنا مَن لم يُحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسناً استزاد الله، إن عمل سيئاً استغفر الله منه وَ تاب إليه "



- نسألكم الدعاء ~

* حُرِر في ١٣ جنيويري ٢٠١٣ *

الأحد، 26 مايو 2013

أحدهم ينكر وجوده لكنني رأيته، رأيت الله

رأيت الله في جسدِ إنسان لا أعرف أصله ولا فصله، لا أعرف عِرقه، أجهل إلى أي دين ينتمي، قد يكونُ مُلحِداً أو مسيحياً وربما كان يهودياً، رأيته في كل عضوٍ وعظمٍ ولحمٍ في أحشاء ذاك الإنسان القابِع في مشرحة الجامِعة.
 


رأيت الله في رأسهِ المقطوع ودماغه المُستَخرج بصعوبة من أسفل جمجمته، كان دماغهُ طرِيّاً ككُرَة إزالة التوتّر، منحوتاً بِعِناية كجَوْزة، رأيته في عصبِ البصر الذي نشأ كجزء من الدماغ، تغشّى بأغشيته وراح يُداعب الشبكِيّة عائداً للدماغ بمعلوماتٍ عن كل شيء أبصرته العين*، في الفم، في الشفتين اللتين تُفتَحَان بمُجرد عجز الأنف عن استنشاق الهواء، حتى ينوب الفم عن الأنف في تلك المُهِمّة المهمة فلا يموت الإنسان لمُجرّد عدم تمكّن الأنف من التنفس، في اللسان الذي يمنع اللُعاب من الوصول للحلق حال النوم وغيره، وإن لم يفعل لشرق الإنسان ومات! في العضلات البسيطة التي تُحيط بالأورِدة والشرايين والأعصاب والفقرات في الرقبة، بسيطة لكنها تقوم بعملٍ عظيم، في فقرات العمود الفقري التي تُحِيط الحبل الشوكِيّ بعناية حتى لا يُجرَح ولا يُخدَش ولا تطاله أي أداة جارِحة بسهولة، في اليدِ وعضلاتها وحركاتها، في بصمة الإصبع التي تختلف من إصبع لآخر.



رأيتُ الله في القلبِ الذي لا يعرف التوقّف عن العمل، ننام فيبقى مُتيقّظاً، يصمت الدماغ فيُحاول هو البقاء على قيد النبض، رأيته في اختلاف خِلقة الرئتين وملائمة ذلك لموقعهما في الجسد، حيث ترتفع الرئة اليمنى عن اليُسرى قليلاً حتى تسمح للكبد بالتربّع على عرشها أسفل تلك الرِئة، وبالنظر للرئة اليُسرى وثلمتها التي تعطي القلب مجالاً ليتربّع هو الآخر على عرشه بين الرئتين مائلاً لليُسرى قليلاً، في الحِجاب الحاجِز، في الفتحة التي يمر منها المريء والوريد الأجوف والعديد من الشرايين والأعصاب، تلك الفتحة التي إن اتّسعت لصعدت أعضاء البطن للصدر وإن ضاقت لضغطت على محتوياتها فنتج عن ذلك ما لا يُحمَد عُقباه، في الأمعاء التي ما إن أخرجناها من أحشاء المُشرَّح حتى صعب علينا إرجاعها كما كانت، في الكلية التي لا يتجاوز حجمها حجم قبضة اليد ولولاها لهلك الإنسان، الكلية التي تُنقّي ما يصل إلى ١٨٠ ليتر من الدم يومياً، في القدمِ التي تصغر العديد من الأعضاء ولكنها قادِرة على حمل الجسم كله بل والمشي والركض به، فيسير الإنسان حاملاً على قدمه عشرات الكيلوغرامات دون أن يشعر بثقلٍ أو عجز.



رأيتُ الله في رحم الأُنثى، الذي -حتى وهو مُتّصل بالمهبل- لا يتجاوز طول ذِراعي وعرض كفّ أحدهم! في عضلاته القابِلة للتمدد حتى لو دعا حجم الجنين لوصول الرحم لأسفل الحِجاب الحاجز لفعل دون أن تنقص من قدرته على إحاطة الجنين بعناية شيئاً، في الحبل السِرّي الذي يربط الطفل بأمه فتُغذّيه وتمدّه بالأجسام المُضادّة وتُخلِصه من الفضلات، في ثدي الأم وغدد اللبنِ فيه، الثدي الذي ما إن تحمل الأم بإبنها حتى يتهيأ لتغذية ذلك الإبن.





رأيت قُدرة الله في الأوعية الدموية، كيف لهذه الشبكة العظيمة أن تحمل بين أوعيتها حوالي الخمسة ليترات من الدم وتضخّها لكل عضو ونسيج في الجسم دون آمرٍ أو ناهٍ؟ في أوردة الساق التي تُسيّر الدم عكس قوانين جذب الكُرة الأرضيّة، في الأعصاب المُتوزِّعة في أنحاء الجسد، بعضها ناقل للإحساس والبعض الآخر باث للحركة وقد يقوم العصب الواحد بكلتي المُهمتين، يالله! ما أقرب الدماغ والحبل الشوكي للأعصاب، ما أسرع وصول تلك الرسائل العصبيّة للجهاز العصبي المركزي وسرعة استجابته لها، وإن وصلته رسائل عدة من أعضاء مُتفرِّقة لاستجاب لكل منها دون أي تباطؤ أو كسل.
فسُبحان مَن خلقنا في أحسنِ تقويم، وجعل معاجزه فينا ولم نُبصِرها، وحين أبصرنا بعضها لم نشكره حقّ الشكر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



- من المَعيب حقاً أن تكون طالب/ة طب وَ قد أمضيتَ/تِ جل وقتك في دراسة معجزات الجِسم البشري و الجمال الذي لا يُصَدّق لعلم التشريح وَ ما فيه، وَ تظلّ تعتقد بأن وجودك في هذا الكون محض صُدفة ! اصحَ يا صديقي، أنا و أنت معجزات الخالِق... الله <3



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عصب العين ينشأ من مجموعة خلايا عصبية في شبكية العين، تكون ألياف البصر، ما يعرف بالعصب البصري الذي يغوص في الدماغ في مسار معقد. كتبت هذه المدونة في بداية دراستي للطب لذلك -الآن- أجد الجملة أعلاه غير دقيقة.

رُكنِي الدافِئ

هذه التدوينة نتيجة إلهام من منشور الصديقة فاطمة الزهراء 💖 حين سألَت عن شعورنا تجاه غُرفنا وهل نعتبرها مساحة آمنة نحبها ونرتاح فيها أم ننفر...