‏إظهار الرسائل ذات التسميات طب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 يناير 2018

مذكرات طالبة طب (٤) | مستشفى الطب النفسي

اليوم قابلنا مريضتين، الأولى في الثمانين من عمرها والثانية لها من العمر ٣٩ سنة.
سألنا الأولى عن حياتها: كل شيء في حياتي يعجبني (بعيدا عن الحالة الصحية) فأنا لديّ أصدقاء وعائلة يحرصون على سعادتي وراحتي، أذهب للنادي يوميًا، أحضّر العشاء لأصدقائي في الليل، أحفادي يزوروني بإستمرار، لا أريد أن أغير أي شيء في حياتي الحالية. ولكن تمنيت لو أنني غيرت تخصصي، ولم أُكمل في التخصص الذي أجبروني عليه.
- ما هو تخصصكِ؟
* مهندسة
انبهرت! نظرت إليها بإعجاب وقلت مباشرة: وااااو!
سألناها ماذا كان من الممكن أن تكون لو لم تستمر في دراسة الهندسة
* مترجمة، فأنا أتقن اللغة الفرنسية وبدأت بالترجمة بالفعل لكنني توقفت بعد ذلك، وددت لو أنني استمريت في الترجمة وتعلمت لغات أكثر، قبل فترة طُلِب مني ترجمة أجزاء من الإنجيل إلى الفرنسية سعدتُ وشعرتُ بالرضا! 
في نهاية لقائنا سألتها إن كانت فكرت أن تتعلم اللغة العربية فقالت لي إنها فكرت في ذلك قبل سنوات عند زيارتها لسوريا، لكنها حين وجدت أن هناك لهجات عديدة للغة العربية شعرت بصعوبة تعلمها ولم تفعل
،
المريضة الثانية تحدثت كثيرًا عن المشاكل التي تعانيها في وظيفتها الحالية من مسؤوليات كثيرة وعمل متواصل على عاتقها، ومعاملة سيئة من قبل المسؤول عنها فهو يجدها أقل منه ويجد نفسه أفضل منها، هي تعمل كصحفية في كنيسة ما، رب العمل يظل يذكرها بالذنوب والآثام والعقاب، ويلزمها بتصرفات معينة سواء حال وجودها في الكنيسة وفي ساعات عملها أو بشكل عام في حياتها، فهو الذي نذر عمره لخدمة الرب... وهو الذي يعرف ما الصائب وما الخاطئ (أوضحت لنا أنها تؤمن بذلك)، وهي قد حلفت على الكتاب المقدس حين التحقت بالعمل بأن تلتزم بالقوانين وبالحفاظ على أسرار الكنيسة وغيره، تجد نفسها تعبت من كل هذه القيود، تشعر أنها في قفص
سألتها: ألم تفكري في تغيير وظيفتكِ؟
* نعم، بدأت في التفكير في ذلك
زميلاتي أيضًا علّقن على نفس النقطة، وفي نهاية حديثنا معها قالت أنها سعيدة لهذه الفرصة بالتحدث معنا وأنها تتمنى لنا التوفيق في دراستنا وحياتنا المهنية
قلت لها جملة أخيرة: الحياة أقصر من أن تبقي في مكانٍ لا تشعرين فيه بالراحة

..

الآن وأنا أراجع درس الطب النفسي وجدتني لا زلت أفكر في حديثهما، وكيف أن الصدفة جمعتنا مع الإثنتين في يوم واحد، ثمانينية سعيدة بحياتها رغم وضعها الصحي وتتمنى لو أنها غيرت وظيفتها حين كانت شابة، وثلاثينية تعاني من بيئة عمل سيئة ولم تغيرها لسنوات وهي مدركة أن لها تأثير على وضعها الصحي!

الجمعة، 13 يناير 2017

مذكرات طالبة طب (3) | الطب الجنائي

أنهينا اليوم "كورس" الطب الجنائي (الشرعي)، وأنا متحمسة منذ اليوم الأول للكتابة عنه وتوثيقه في مدونتي، وقد كتبتُ مدونة كاملة أول يوم لكنّي لم أنشرها.. شعرت أنها أثقل من أن تُنشَر، كتبت أخرى فجر الأمس وكنت مترددة هل أنشرها أم لا.. ربما أقتطع جزءًا من كليهما وأضيفه لهذه التدوينة.
قضينا أسبوعين في التعلم العملي والنظري عن كيفية فحص الجثث وتشريحها لمعرفة سبب الوفاة وتوثيق آثار الإصابات والاعتداءات. تعلّمنا أيضًا طريقة الكشف على ضحايا الإغتصاب من الكِبار والصغار، وكيفية جمع أدلّة من ملابس الضحيّة وجسدها لمعرفة هوية المعتدي.
حين دخلنا المشرحة، وهي ليست المرة الأولى لنا فيها (أعني المشرحة بشكل عام وليست هذه المشرحة على وجه الخصوص)، حيث دخلناها مرات كثيرة في سنتنا الأولى، لكن الفرق هنا أننا، في المشرحة الأولى، كنا نرى جثث لأشخاص توفوا منذ وقت طويل وقد وضعت في أجسادهم مواد حافظة حتى لا تتحلّل. هذه المرة نحنُ نرى جثث توفيت قبل أسبوعين على أكثر تقدير.. وربما أقل، لم تُحفظ بفورمالين ولا غيره. كانت الهيبة أكبر، شعرتُ برعشة بسيطة... لم أشعر بها من قبل.. ودارت في رأسي أفكار كثيرة.. وشعرت بالحزن لأجلهم، خصوصًا أولئك الذين لم يتوفوا وفاة طبيعية. تساءلتُ بيني وبين نفسي عن السبب الذي يدعو الطبيب ليتخصص هذا التخصص، جاوبتُ نفسي بنفسي: مِهنة شريفة جدًا، إنه يساهم في فضح الجرائم، أخذ حقوق الموتى والمظلومين والمُعتدى عليهم. من جهة أخرى لا أستطيع إنكار الشعور الذي زارني حين رأيتهم يُقطّعون الجسد ويستخرجون ما بداخله.. وكأنهم مجرمين، كنت أردد: "قتالين قتلى.. جزّارين.. قصّابين"
بالنسبة لي رؤية الأعضاء الداخلية وتشريحها والنظر لها بعينيّ المحقق الباحث عن علة أو مرض أو أثر.. ممتعة، ولكن التشريح بحد ذاته مُتعِب.. نفسيًا أعني، أراه ثقيلًا على القلب، فعلى مدى عشرة أيام كنا نرى على الأقل أربع جثث ونعمل على تشريح جثة واحدة يوميًا. كان لكل جثة قصة وسبب، منها من وُجِد ميتًا في مكان مهجور/ بيته/ دورة المياه، منها ضحايا حوادث السيارات/ وأخرى قضت بعد أن صدمها قطار، منها حالات إطلاق الرصاص والشنق، ولا ننسى حالات الحرق منها جثة متفحمة تمامًا بعد انفجار أحدثته الألعاب الناريّة في "كراج" السيارات!

سألني فريد بعد التشريح الأول: سندس، ما الغاية من الحياة؟
- نعيش لكي نموت فريد.. نعيش لكي نموت

شاركتُ اليوم في التشريح، كنتُ قد قررت مُسبقًا أنني لو اضطررتُ للمشاركة فسأختار الدماغ، لأنه سهل وخفيف...من الناحية التشريحية أعني، أيضًا هو عضوٌ أنظف من غيره فلن أواجه نافورة من الدماء أو بقايا طعام أو غير ذلك إذا ما قطّعتُ الدماغ. والأهم أنني لم أشعر أنني مجرمة حين فعلتُ واجبي :p
انتهى.

* ملاحظة: تم حذف مقاطع عديدة وذلك لعدم مناسبتها لقلوبكم الرقيقة :p *أيقونة ملاك*

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

عن دراسة الطب

تعلم الطب مثل تعلم اللغة، تبدأ بتعلم الأحرف كيف تُكتَب وكيف تُنطَق، كيف يتغير شكلها من موقع لآخر في الكلمة، ثم تبدأ بتعلم كل حرف على حدة، تتعلم كل كلمة تبدأ بهذا الحرف أو تنتهي به، أو يتوسطها، تتعمق في علم حرف واحد حتى كأنك لا تعرف بقية الحروف ولم تتعلمها بشكل عام. تشترك عدة حروف في تكوين كلمة واحدة، يتغير معنى الكلمة لو تغير ترتيب الحروف، يتغير شكل الكلمة حين يكتبها فلان عن شكلها حين تكتبها أنت.

كلما تعلمت كلمة وجدت لها فروعا وتصاريف مختلفة، لكل فعل هناك أزمنة مختلفة تختلف معها طريقة كتابته ونطقه ومعناه وتأثيره، يختلف فاعل الفعل بإختلاف الجملة، وقد يكون للفاعل مفعول به/ مفعول لأجله/ مفعول مطلق...الخ، وهناك أفعال مبنية للمجهول.. يطلب منك البعض أن تخبرهم عن الفاعل رغم أن كل النحويين والبلغاء والعلماء -منذ القدم وحتى اللحظة التي سُئِلت فيها عن هويته- عجزوا عن معرفة فاعل الفعل المبني للمجهول.

يتوجب عليك بعد التعلم أن تكون قادرًا على قراءة كل الخطوط وكل طرق الكتابة، يتأملون منك أن تحفظ كل الكلمات وكل المعاني، في معظم الأحوال لن يعذروك إن نسيت حروف كلمة ما أو سهوت عن أحد معاني الكلمة ذات المعاني الكثيرة، سيعتبرونك كسولاً وضعيفًا حين يسألونك عن حرف لم تتعمق في دراسته رغم أنك قادر على الإجابة عن أسئلة الحرف الذي درسته وتخصصت في كلماته.

ولا ننسى أن لغة الطب لغة متجددة تستحدث/ تحذف كلمات ومعانٍ.. من سنةٍ لأخرى، وعلى المتعلم أن يكون مُلِمًا بالقديم والحديث.

كطالبة طب، لا زلتُ أخوض بحار بعض الأحرف، وربما لم أتجاوز الشُطآن... لكنني سأصل يومًا لعمق بحرٍ ما :) وحتى ذاك اليوم ربما لا أكون قادرة على الإجابة على كل ما يصلني من أسئلة واستفسارات ممن هم حولي عن المعلومات الطبية في تخصص أو آخر.. لذلك أُذكركم بأن سؤال المعلم أفضل من سؤال الطالب، وسؤال الضليع باللغة أفضل من سؤال المبتدئ، ونحنُ في عصر سهُل فيه التواصل مع الأطباء والمختصين في مواقع التواصل الإجتماعي أو مواقع الإنترنت أو عبر الهاتف ولا عُذر لمن لا يسأل أهل الاختصاص ليقي نفسه/ يُثقّفها وليسعى لعلاج/ تخفيف حدة مرضه.

- خارج النص ☻ -
يتعلم بعضهم طريقة كتابة الحروف فقط، أو ربما سمعوا كلمة هنا وكلمة هناك ليعتقدوا بأنهم أكثر فصاحة منك، يأتوك ليتنقدوك ويخطّؤوك.. ليس هذا فقط، بل يحاولون تعليمك ههههه!

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

مذكرات طالبة طب (2) | عيادة الأمراض المُعدية

إنه الرابع من نيسان، أول يوم دوام بعد إجازة عيد الفصح، جلستُ في تمام السابعة والنصف صباحًا ورحتُ أجهز بسرعة كي لا أتأخر أكثر، كان يجب أن أجلس في السابعة لكنّ الأرق والحنين الذين اجتاحاني ليلة الأمس حالا بيني وبين ذلك، لا يهم.. وصلنا لمستشفى الأمراض المُعدية على طريق فولسكا (ul. Wolska) في الساعة الثامنة والنصف وعدة دقائق، كان يجب أن نكون هناك في الثامنة والربع.. هذا أيضًا لا يهم، معظم الأطباء هنا يعاملوننا معاملة الراشدين، أي: إن تأخرنا فنحنُ الذين سنخسر ساعات من كسب العِلم وهم لن يخسروا شيئًا، التوقيت مسألتنا نحن ومهمتنا لا مهمتهم.
حين وصلنا كانت المعلمة قد انتهت من سرد التاريخ المرضي لطفل لم يتجاوز السنتين مصاب بفيروس العوز المناعي البشري (HIV+) وقد اكتسبه من أمه المصابة بالفيروس ساعة الولادة حيث أن الولادة كانت طبيعية ولم تكن قيصرية، ولم تُتَّخَذ الإجراءات اللازمة لتقليل فرصة إصابة الطفل بالمرض* وها هو قد اكتسب الفيروس وبدأوا بإعطائه العلاجات اللازمة للحد من تكاثر الفيروس وبالتالي تفاقم المرض، الطبيبة كانت تشتكي من تقصير الأم تجاه ابنها فهي لم تعطِه الحليب الكافي لدرجة أنه أُصيب بسوء تغذية وفقر دم (أنيميا)، وتضيف: حتى حين أعطيناها الحديد كمُكمّل غذائي لابنها ليتشافى من الأنيميا لم تعطه كل الجرعات، توقفت بلا سبب واضح. تتنقل الدكتورة بين نظراتنا الممتلِئة بالشفقة على الطفل واللوم لأمه ثم تستدرك: أعتقد أنها مصابة بإكتئاب ما بعد الولادة لذلك هي لا تهتم بإبنها، إنها حتى لم تأخذه لمعظم مواعيد ما بعد الولادة ولم يأخذ كل التطعيمات اللازمة لعمره، لذلك أعتقد أنها مُكتئبة.. ربما هي مُكتئبة. سألتها: ماذا عن أبيه؟ ردت: لا أعرف لم أسألها، لا يهمني أن أعرف مدى علاقتها بوالد الطفل لا يجب عليّ أن أكون أخصائية نفسية واجتماعية -قالتها بأسلوب لطيف، تبدو الجملة حادّة وأنا أكتبها ^^'ـ 
دارت حوارات هنا وهناك عن المرض وقصص المرضى والأمهات المصابات اللاتي ينقلن المرض لأبنائهن، بعدها، قالت لنا الطبيبة: عندما يأتي الأمر لهذا المرض ينفر الجميع من المريض ويحكمون عليه بأنه إنسان سيء أو لا مسؤول أو.... العديد من الصفات السيئة والأحكام الخاطئة، لكننا لسنا هنا كي نحكم على الآخرين، لا يهمني كيف انتقل المرض لفلان أو علان، لا يهمني إن كان أخطأ أم لم يُخطِئ، الذي يهمني أنه مريضي وأنا هنا كي أفعل ما بوسعي لأخفف آلامه ومعاناته. ثم إنه لا أحد يعلم ما مرّ به هذا المريض، ولا أعلم ما قد يمرّ عليّ وما سأتعرّض له في أيام حياتي القادمة -فهمت من كلامها، أن الذي يتكلم اليوم على الآخرين ربما يحصل له شيء غير محمود غدًا وقتها لن يتمنى أن يحكم عليه الآخرون بأنه إنسان سيء ويريد من الكل أن يعذره ويفهمه فلِمَ يقسو على الآخرين الآن؟-
- حسنًا، الآن سأذهب لمريضتي ذات الستة عشر عامًا، لديكم إستراحة 15 دقيقة، لا أعتقد بأنه من الجيد أن تقابلوا هذه المريضة اليوم فقد وجدناها بالأمس فاقدة للوعي في دورة المياه بعد محاولتها الإنتحار، ولا أظنها بمزاج جيد لتقابل أحدًا.. سأخبركم عنها لاحقًا
بعد الاستراحة تحدثت معنا عن هذه البنت: عمرها 16 عامًا، (HIV+)، والداها مصابان بالفيروس أيضًا، والدها توفي قبل عدة أشهر، وهي لم ترَ أمها منذ 7 سنوات تركتهم فجأة ولم تخبرهم أين ستذهب، أختها الوحيدة، عمرها 13 سنة مدمنة مخدرات وتعيش في دار إعادة التأهيل كي تُشفى من إدمانها.. أنا أتفهّم وضعها، أتفهّم محاولاتها لإيذاء نفسها، ظروفها صعبة وحساسة جدًا، وكما قلت لكم لستُ طبيبة نفسية ولا مُصلحة إجتماعية لذلك تحدثت مع طبيبة نفسية كي تأتي لرؤيتها.

انتهى وقت الحصّة السريرية (ما أدري وش يسمون الـ clininal class بالعربي xD ) والآن استراحة نصف ساعة بعدها تبدأ المحاضرات.

* الإجراءات المُتّبعة في أوروبا للحد من انتقال الفيروس من الأم لإبنها:
1. فحص مخبري للأجسام المضادة لـHIV في بداية الحمل، وفحص آخر قبل الولادة بفترة.. بشهر أو شهرين
2. في حال كانت النتيجة إيجابية، إعطاء الأم الأدوية المضادة للفيروس (Antiretroviral therapy)
3. التخطيط لولادة قيصرية لأن نسبة انتقال الفيروس عبر الولادة الطبيعية (vaginal birth) أعلى بكثير من نسبة انتقاله بالولادة القيصرية
4. منع الرضاعة الطبيعية واستبدالها بالحليب الصناعي

السبت، 3 يناير 2015

مذكّرات طالبة طب (1) | التدريب الصيفي



هناك، في العاصمة البولندية وارسو أو كما يُطلق عليها أهلها "ڤارشاڤا-Warszawa" وبالتحديد في مستشفى بناخا التابع لجامعة وارسو الطبية، قضيت عدة أيام للتدريب الصيفي كممرضة، سحبت دم من هذه وأزلت القنيّة (cannula) من أخرى، وساعدت تلك العجوز في الاستحمام وحمّمت أخرى، زرت الكثير من الغرف بصُحبة ممرضة متدربة أكبر منّي سنًا، أعني أنها أكبر من أن تكون ممرضة متدربة حتى أنني من شدة تعجبي ظننتُ أنني لم أفهم ما كُتِب على بطاقتها الشخصية وسألتها: ماذا تعني هذه الكلمة؟
- مُتدرّبة
- متدرّبة! * لا يحضرني الآن إن كنتُ أشرتُ لها بكبر سنها أم لا.. ولكنني أذكر أن فكرة كبر سنها لم تفارق فِكري *
- لقد توقّفت عن العمل لمدة 5 سنوات وحين أردتُ العودة كان يجب عليّ أن أخضع لبرنامج تدريبي كأي ممرضة مبتدِئة
أعجبني أنها عادت للعمل بعد انقطاع وأعجبتني أيضًا مسألة التدريب، فأجساد البشر ليست لُعبة كي نسلمها لمَن انقطع عن تمريضها لسنوات.. بسهولة
سألَتني عن عمري
- "اثنان وعشرون"
- صغيرة! لا زلتِ صغيرة، أنتِ بعمر ابني

*

من جملة ما فعلت أيام تدريبي في المستشفى أنني أطعمت ثلاثة نسوة كبيرات في السن، إحداهن أطعمتها لأكثر من يوم وكنا نقضي وقت الغداء بالحديث بالبولندية والإنجليزية، كنتُ أسعد بالحديث معها وهي أيضًا، أذكرها جيدًا وأذكر أحاديثنا وأذكر أيضًا أنها لم تكن تحب البطاطس كثيرًا، أذكر تذمّرها من أكل المستشفى وحديثها بفخر عن نفسها وأبنائها لكنني لا أذكر اسمها -للأمانة، يصعب عليّ حفظ الأسماء البولندية، وأحيانًا نُطقها، لم أحفظ اسمها يومًا حتى أنساه، أذكر لما كانت تنتظر الغداء ولا يصل تدعوني لكي أذهب بنفسي وأجلبه أو أستعجِل "طاقم المطبخ" كي يحضروه كنتُ أقول لهم: مريضة السُكّر في غرفة 7... السرير الذي بجانب النافذة..-

هذه المريضة التي تجاوزت السبعين، أعجبني فيها أنها مُتعلّمة، جامعيّة، تتحدث بأكثر من لغة: البولندية طبعًا، والألمانية، والإنجليزية.. القليل منها، عَرِفت أنني مسلمة من حجابي، هويتي الإسلامية التي لم يميزها الكثير ممن قابلت من البولنديين، أخبرتني أنها قرَأت القرآن الكريم كاملًا وأنها مُطّلعة على الدين الإسلامي، زوجها كان يعمل في أبو ظبي، زارته لكنها لم تتعلم العربية، لا تعرف من العربية سوى "السلام عليكم" -والتي تنتمي للدين أكثر منها للغة- زارت دول أوروبا كلها ودول المغرب العربي ومصر وفلسطين، هي لم تقل فلسطين، قالت: زرتُ إسرائيل

- اسمها فلسطين، ليست إسرائيل

- نعم نعم بالتأكيد، أنا لا أحب إسرائيل ولا أناصرها ولكنني رغبتُ برؤية "هذه الدولة" وذهبت

كانت كلما رأتني رددت: درست في الجامعة وعملت في شركة ألمانية وأتحدث الألمانية بطلاقة، ابنتي طبيبة نفسية وابني دكتور، شديدة الفخر بنفسها وأسرتها، وأرى أن ذاك يستحق الفخر، امرأة بعمرها جامعية وتتحدث بأكثر من لغة؟ ذاك يستحق الفخر

- مع تفهّمي لاختلاف الأوضاع الثقافية والاجتماعية بين زمان ومكان جدّتي وزمان ومكان هذه المرأة، إلا أن مقارنتي بينهنّ من الناحية العلمية تجعلني أرى أن تعلّمها يستحق أن يُفتخر به - 


…. جزء من القصة مُشفّر :P ….

*

على السرير المُجاوِر لها ترقد امرأة تصغرها سِنًا، أسوأ حالًا منها.. من الناحية الصحيّة، لكنها في حال أفضل من ناحية أخرى، فابنتيها تتناوبان على مرافقتها وإطعامها والإهتمام بها، ذات مرة مررت عليها في طريقي للمريضة الأخرى، لأجد ابنتها تبكي على حالها، وقد وجدتها في اليوم الذي يسبقه تبكي في ساحة المستشفى.. على أمها أيضًا كما أظن، لم أخرج من الغرفة قبل أن أتوقف وأقول لها: أمكِ محظوظة بكِ، ابتسمت ابتسامة عريضة وهي وسط الدموع، لم تكتفي بتلك الابتسامة فقط بل مسحت دمعتها بكفها وضحكت وشكرتني :')

،

* لا شيء مهم أو مميز في هذه التدوينة، مجرد ذكرى أحببتها فوثّقتها :)


السبت، 28 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الثالث والأخير


في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذه التدوينة وما قبلها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.


هذه المرّة قابلنا مُتعافٍ من أذى الإدمان، قابَلَنا بوجهٍ مبتسم، رحّب بنا وعرّف عن نفسه، كان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ابتدأ حديثه بقوله: الإدمان هوَس والهوَس قد يكون بأي شيء، بمشروب، بمُخدِّر، بشخص، بفعل، بأي شيء، لولا أنني أُريد إفادتكم لما تحدثت عن ماضيّي الغير مُشرِّف فأنا لا أودّ تذكر تلك المرحلة من حياتي فقد كنتُ فيها مُصاباً بأكثر من إدمان ومهووساً بأكثر من شيء، من ضِمن الأشياء التي أدمنتها: الخمر، فكنتُ أعيش يومي كله غائب الذهن مهموماً حزيناً لا أنا قادرٌ على تركه ولا على الاستمرار في شربه، حتى عرفتُ عن مُنظّمة تساعد المدمنين في التخلص من إدمانهم والتحقتُ بها وكان العلاج فيها على مراحل وهو عِلاج نفسي وروحي بشكل خاص تتخلله جلسات دوائية ورِعاية طبيّة، ويتم بإجراء لقاءات أسبوعية مع مجموعة من المُبتَلين والمُتعافين وهو مُقسّم لأكثر من مرحلة:
في المرحلة الأولى: نذهب إلى الاِجتماع لنستمع إلى الأحاديث التي تُدار ولا يُسمح لنا بالمشاركة في الحوار إن كُنّا تحت تأثير المُسكِر أو كُنّا قد شربناه للتو حتى وإن كانت الكمية بسيطة
المرحلة الثانية * تبدأ حين نهجر المُسكِر ونترك شربه لنُشارك بشكل فِعلِي في الاجتماعات والحِوارات
* هذه المرحلة تكون بمُساعدة مستشفيات علاج الإدمان.
المرحلة الثالثة تكون بتغذية الجانب الروحي، بالعِبادات - صمتَ قليلاً وألقى علينا نظرة ذات مغزى ثم أكمل حديثه مُسترسِلاً : - أنا لا أُريد أن أتحدث عن مفهوم الرب عندكم ولا أريد أن أُشعِركم بشعور سيء أو ما شابه لكنني أريد أن أخبركم بحجم الراحة التي ملأت قلبي حين غذّيتُ روحي بالتعلّق بربّي، بالحديث معه، باِستِشعار وجوده، عرفتُ وقتها بأن ضياعي في السابِق كان بسبب ابتعادي عن ربي، عرفتُ أن كل الدوامة التي دخلتها وكل فعلٍ فعلته بقصد الهروب من الواقع كان في الحقيقة بسبب عدم معرفتي بالرب العظيم الذي يرعاني بيدِه الخفيّة ويهتم بي حتى وإن لم أُعره أي اهتمام، أنا سعيدٌ جداً لأنني أدركت وجود الله حولي ورعايته لي فهذا يُشعرني بالراحة، بالإطمئنان، بالأمان، وأيضاً.. أودّ أن أخبركم بشيء، لا تقولوا بأن الوقت تأخر لفعل شيء ما، لتصحيح مسارٍ ما، فدائماً هُناك متسعٌ من الوقت للتغيير للأفضل =)
أما المرحلة الرابِعة فهي مرحلة اكتشاف الذات، فيها ننظر في أنفسنا لنرى إلى ماذا تميل وماذا تمتهن وتُحِب وتهوى، ننمي هواياتنا ومهاراتنا ثم نبحث عن مصدر لكسب الرزق حتى نعيش حياة كريمة لا نحتاج فيها إلى أحد
المرحلة الخامسة هي المرحلة التي أعيشها حالياً، وهي مرحلة ما بعد العِلاج، مرحلة الراحة والسعادة، المرحلة التي نسعى فيها لإثبات مقدرتنا على البقاء من غير مُسكرٍ ولا غيره من الأشياء التي عكّرت صفو حياتنا، وأيضاً، لا زلنا نلتقي ببعضنا البعض ممن تماثل للشفاء ومَن هم في طور العِلاج
شكرنا للإنصات وودعنا بإسلوب لبق ولطيف ودعا لنا بالتوفيق في دراستنا الجامعية :)
كانت هذهِ آخر المدونات المتحدثة عن زيارتنا لمستشفى علاج الإدمان، شكراً لكل مَن وهبني بعضاً من وقته حين قرأ ما كتبت أو علّق عليه وشكراً لمَن بيّنوا لي بعض الأخطاء الكتابية التي كنتُ في غفلة عنها.
انقروا هُنا لقراءة الجزء الأول
وهُنا لقراءة الجزء الثاني

الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الثاني/٣

في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذه التدوينة وما قبلها وما بعدها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.

في اليوم الثاني، قابلنا رجلاً في نهاية الثلاثينات، قضى عشرين عاماً من عمره بين جنبات المُسكرات والمُخدرات، يبدو غير آبِهٍ لما آل إليه، يتحدث عن قصته المأساوية وكأنها بُطوليّة! يقول: إنهُ اسبوعي الثاني في هذا المشفى، لا أعلم إن كان سيُقدّر لي هذهِ المرّة أن أُنهي علاجي أم لا ولا أدري من أين يجب أن أبدأ بقص حكايتي، عشتُ خمسة أعوامٍ من عمري مع والِديْن مدمني كحول ثم ذهبا بي إلى جدّتي كي ترعاني ولم أرَ والِدِي بعدها حتى بلغت السابعة عشر، أذكر أنني كنتُ سعيداً جداً بعودة والدي للمنزل وحدّثتُ نفسي بأنها فرصة لتكوين علاقة معه لكنه لم يُعطِني أدنى فرصة للتقرب منه وسُرعان ما عاود الغياب، وقتها ابتدأت بشرب الكحول ثم تعاطيتُ الهيروين وعملتُ في ترويج المخدرات لحوالي السنة بعدها سُجِنت، وأنا في السجن قررتُ أن أترك ما أنا عليه ولا أُعاود السير في ذات الطريق إلا أنني خرجتُ بشهيّة أقوى لشرب الخمر وابتدأتُ بتعاطي الحشيش، ثم تعاطيت نوعين آخرين من المخدرات مع الشرب الدائم للكحول هذه قصة إدماني بإختصار، وعلى صعيد حياتي الشخصية، قبل حوالي السبع سنوات أو أكثر تزوجت وانفصلت وقبل أربع سنوات كانت لي علاقة بإحدى مدمنات المخدرات نتج عنها ابنة، أعتقد بأن هذا كل ما لديّ لأقوله.
ثم بدأنا بتوجيه الأسئلة:
- تقول بأن صديقتك (أم ابنتك) كانت مدمنة مخدرات أيضاً، ماذا عن ابنتكما؟ هل أصابتها تشوّهات خلقية أو أمراض متعلقة بإدمان والديها للمخدرات؟
* لا، فأمها تركت تعاطي المخدرات مُذ علِمت بأنها حامل
- هل هُناك أفراد آخرين من عائلتك يتعاطون المخدرات أو يدمنون شرب الكحول؟
* نعم، أختي مدمنة كحول وأحد أقربائي مدمن مخدرات، هذا القريب سكن معي فترة من الزمن خلال دراستي الجامعية لذلك عائلته تلقي باللوم عليّ ويقولون بأنني مَن ساقه إلى الإدمان
- هل أنهيت دراستك الجامعية؟
* نعم
- أنّى لك النقود التي تصرفها على الشرب والمخدرات؟
* والديّ يرسلان لي النقود مُذ كنتُ صغيراً حتى قبل عدة سنوات، وأيضاً من عملي كمُنسّق حفلات
- هل هي زيارتك الأولى لمستشفى علاج الإدمان؟
* هي المرة الأولى التي آتي بها طوعاً والمرة الخامسة إن عددنا تلك المرات التي أتيتها بإجبارٍ من عائلتي
- خمس مرات! كيف تعود للإدمان بعدما تتعالج في كل مرة؟! ومالذي يؤكد لكَ أنك لن تعود لما كنت عليه بعد هذهِ المرة؟
# قاطعتنا الطبيبة بقولها له: تعلمُ أن حالة كبدك المصابة بالالتهاب الوبائي (ج) متقدمة جداً وأنّ أي تراجع عن العلاج أو هروب من المصح سيُكلفك حياتك؟
* نظر في الطبيبة وأجابها: نعم أعلم، ثم أدار بوجهه ناحيتنا وقال: في المرة الأولى، وبعدما تماثلتُ للشفاء وغادرت السموم جسمي، خرجتُ من المشفى ورجعت للشرب في نفس الليلة فأنا لا أطيق رؤية شاربي الكحول دون أن أُشاركهم. أما عن المرات الأُخريات فدخولي للمصح لا يعني أنني سأخرج منهُ معافى، قد أهرب وأنا لم أُنهِ مدة العلاج بعد. وهذه المرة، لا أعلم لكنني لطالما أردت العناية بإبنتي، لا أريد لها العيش بلا أب
- هل تزورك ابنتك؟ كيف هي علاقتك بها؟
* علاقتي بها جيدة، وهي تزورني وأزورها وإن لم نتمكن من ذلك نستبدل الزيارة بمحادثة على الهاتف
- كلمة أخيرة
* أتمنى أن أتمكن من إتمام علاجي
خرجنا من المشفى ونحنُ شبه متأكدين من أنه لن يكمل العلاج وأن حديثه عن ابنته لا يعني بالضرورة أنه سيُجاهد رغباته من أجلها، أعني، هذا ما بدا لنا من طريقة حديثه اللا مُبالية

انقروا هنا لقراءة الجزء الأول
وهُنا لقراءة الجزء الأخير

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الأول/٣

في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذهِ التدوينة وما بعدها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.

في اليوم الأوّل، ذهبنا لمُستشفى علاج الإدمان، في طريقنا لمكان الدرس صعدنا على درجٍ مُسوّر بسور عالٍ، وصلنا للطابق الثاني، الباب مُقفل، فتحتهُ لنا إحدى العامِلات في المشفى، دخلنا للممر مُتجهين لغرفة الدرس ومن كل جهة هُناك بابٌ مقفل بِعناية، رحّبت بنا الدكتورة وابتدأت الدرس بسؤال: ما هي أنواع المشروبات الكحولية التي تعرفونها؟ ثم أخذت نظرة سريعة على الطلاب وقالت: أعلم أن بعضكم لا يشرب الكحول وقد يكون الكحول من الممنوعات في بلده :)
ثم بدأت بالحديث عن الكحول وآثاره العامة على الجسم إن شُرِب بجُرعات " عادية " ، ثم عرجت على قصصٍ عن تأثير تغييب الكحول للعقل وعن شرب الكحول بشكلٍ عام:
القصة الأولى كانت لشاب ثلاثيني يمتلك وظيفة مرموقة، مُتزوج وله أولاد وحياته الأُسريّة في أحسنِ حال، أقدم وهو تحت تأثير المُسكِر على قتل أم زوجته! فسُجِن لعدة سنوات وفقد عمله وطلبت منهُ زوجته الطلاق وأخذت حضانة الأولاد، وصارت حياته بعد ذاك اليوم مُختلفة تماماً عمّا قبله، كان في أحسن الأحوال وصار في أسوأها
قصة أخرى لطبيبة تشرب الكحول بكثرة، تقول المُحاضِرة: قلت لها مِراراً، أنتِ طبيبة وتعلمين مدى تأثير الإدمان على جسدكِ فلِمَ تسعين بنفسكِ للدمار؟ فتجيبني بأنها تعلم خاتمة أمرها لكنها لا تهتم لذلك، وبالفعل هي الآن تُعاني من التهاب الكبد الوبائي (ج) وحالتها حرِجة جداً ولا زالت مُدمنة على شِرب الكحول!
حدثتنا الدكتورة بأن هُناك نسبة عامة لشرب الكحول بحيث لا يؤثر كثيراً على الصحة وهناك نِسب خاصة بأصحاب بعض الأمراض والحالات الصحيّة فتكون نسبة الكحول المُناسِبة لهم أقل من نسبة الكحول المناسبة للآخرين، وأن بعض المرضى اللذين يزورونها يُخبرونها بأنهم اكتفوا بشرب كأس واحد (على سبيل المثال) مما يعني أنهم لم يشربوا الكثير ولكن تبعاً لحالتهم الصِحّية هم شربوا الكثير. عاودت إخبارنا بالقصص:
كان أحدهم في حفلة وكان هو و كُل مَن في الحفلة في حالة سُكْر، تحدّاه أحد الموجودين أن يشرب كأساً من الكحول النقي " إيثانول " وشربه كله فسقط ميتاً على الفور لكثرة الكحول التي شربها وبالتالي كثرة السموم في جسمه! تقول: الكل كان في حالة سُكر، ولأنهم تأخروا حتى صحوا مِن سُكرهم ولاحظوا سقوطه على الأرض فقد رحَل وهم لم يشعروا به، ربما كان بالإمكان إنقاذه لكنهم تأخروا حتى لاحظوه

- حان وقت الإستراحة، أخذَتنا لكافتيريا المُستشفى، فيها يأكل الأطباء والمرضى وزائروهم، ونحن ذاهبون للكافتيريا مررنا على كنيسة خاصة بالمرضى فقلتُ في نفسي: في كل مكانٍ وزمان، العِبادة من أجمل العلاجات وأهمها، ثم مررنا على غُرفة تحتوي على أجهزة رياضية خاصة بمُرتادي المسستشفى أيضاً، تساءلتُ في داخلي إن كانت غرفة كهذه موجودة في مستشفياتنا النفسية أو مستشفيات عِلاج الإدمان أو حتى في المستشفيات العادية 

انتهت الإستراحة لنُقابِل أحد نُزلاء المستشفى، شاب ثلاثيني، لا يُشبه المدمنين الذين نراهم في المسلسلات الخليجية ^^" ، طويل القامة ذو بطنٍ كبير، ألقى علينا التحيّة وجلس، كان يتحدّث بالبولندية والدكتورة تُترجم لنا حديثه وتترجم له أسئلتنا، طلبَت منه أن يتحدث عن قصة إدمانه وقدومه للمستشفى: إنه يومي الثالث في هذا المصحّ، لولا صديقتي لما أتيتُ إلى هُنا، وجودي في هذا المكان وسط المرضى والمُدمنين يُشعرني بالسوء، أنا لستُ مثلهم، هُم مرضى نفسيون ومدمنون وأصحاب سوابق - أخذ يبكِي - ثم أكمل حديثه: بدأت قصتي قبل سنة، حين توفى أخي المُراهق مدمن الكحول مُنتحِراً، فبدأتُ بشرب الكحول في نهاية كل اسبوع، أبدأ بالشرب من مساء يوم الجمعة حتى مساء يوم الأحد، ثم تطوّرت المسألة حتى صرتُ أشربه في وسط الاسبوع وذهبتُ لعملي عدة مرات في حالة سُكْر فطُرِدت منه، قبل ٣ أيام حاولتُ الانتحار ووقتها اتصلت صديقتي بالإسعاف وأخبرت المشفى أنني مدمن كحول وأحتاج إلى علاج فأرسلوني إلى مشفى علاج الإدمان وأيضاً ابتدأتُ علاجاً نفسياً لأنني مصاب بالإكتئاب، ثم بدأنا بتوجيه الأسئلة:

- هل لي أن أسألك إن كان أحد أفراد عائلتك مدمن كحول؟ غير أخيك طبعاً
* لا، فهم يشربون الكحول في المناسبات فقط
- هل حاولت أُسرتك أو صديقتك مُسبقاً مُساعدتك في التخلّص من الإدمان؟
* صديقتي كانت تحاول بشتى الطُرق أن تُبعدني عن طريق الإدمان بلا فائدة، حتى أنها حاولت أن تتركني لكنني لم أُبدِ رغبة في تركِ ما أنا عليه حتى حاولتُ الانتحار وجرى ما جرى
- مالذي تفكر في فِعله بعدما تنتهي من علاجك؟
* سأتزوج صديقتي التي ساعدتني في التخلص من هذا الداء المُخجِل! وسأبحث عن عمل أكتسب منه الرزق
- كلمة أخيرة
* أريد أن أُنهي علاجي بأسرع وقت ممكن فأنا لا أطيق الجلوس وسط هؤلاء المرضى، هذا ليس مكاني، كل مَن حولي مدمنون وأصحاب مشاكل وجرائم، أنا لستُ مثلهم، أنا أفضل من أن أقضي حياتي وسط هذا المكان الشبيه بالسجن.
انتهينا من تقديم الأسئلة، ودّعناه وخرجنا

حتى هُنا انتهى الجزء الأول من هذه التدوينة، أُرحّب بتعليقاتكم وأسئلتكم وانتقاداتكم البناءة لطريقة الكتابة :)
انقروا هنا لقراءة الجزء الثاني

الأحد، 26 مايو 2013

أحدهم ينكر وجوده لكنني رأيته، رأيت الله

رأيت الله في جسدِ إنسان لا أعرف أصله ولا فصله، لا أعرف عِرقه، أجهل إلى أي دين ينتمي، قد يكونُ مُلحِداً أو مسيحياً وربما كان يهودياً، رأيته في كل عضوٍ وعظمٍ ولحمٍ في أحشاء ذاك الإنسان القابِع في مشرحة الجامِعة.
 


رأيت الله في رأسهِ المقطوع ودماغه المُستَخرج بصعوبة من أسفل جمجمته، كان دماغهُ طرِيّاً ككُرَة إزالة التوتّر، منحوتاً بِعِناية كجَوْزة، رأيته في عصبِ البصر الذي نشأ كجزء من الدماغ، تغشّى بأغشيته وراح يُداعب الشبكِيّة عائداً للدماغ بمعلوماتٍ عن كل شيء أبصرته العين*، في الفم، في الشفتين اللتين تُفتَحَان بمُجرد عجز الأنف عن استنشاق الهواء، حتى ينوب الفم عن الأنف في تلك المُهِمّة المهمة فلا يموت الإنسان لمُجرّد عدم تمكّن الأنف من التنفس، في اللسان الذي يمنع اللُعاب من الوصول للحلق حال النوم وغيره، وإن لم يفعل لشرق الإنسان ومات! في العضلات البسيطة التي تُحيط بالأورِدة والشرايين والأعصاب والفقرات في الرقبة، بسيطة لكنها تقوم بعملٍ عظيم، في فقرات العمود الفقري التي تُحِيط الحبل الشوكِيّ بعناية حتى لا يُجرَح ولا يُخدَش ولا تطاله أي أداة جارِحة بسهولة، في اليدِ وعضلاتها وحركاتها، في بصمة الإصبع التي تختلف من إصبع لآخر.



رأيتُ الله في القلبِ الذي لا يعرف التوقّف عن العمل، ننام فيبقى مُتيقّظاً، يصمت الدماغ فيُحاول هو البقاء على قيد النبض، رأيته في اختلاف خِلقة الرئتين وملائمة ذلك لموقعهما في الجسد، حيث ترتفع الرئة اليمنى عن اليُسرى قليلاً حتى تسمح للكبد بالتربّع على عرشها أسفل تلك الرِئة، وبالنظر للرئة اليُسرى وثلمتها التي تعطي القلب مجالاً ليتربّع هو الآخر على عرشه بين الرئتين مائلاً لليُسرى قليلاً، في الحِجاب الحاجِز، في الفتحة التي يمر منها المريء والوريد الأجوف والعديد من الشرايين والأعصاب، تلك الفتحة التي إن اتّسعت لصعدت أعضاء البطن للصدر وإن ضاقت لضغطت على محتوياتها فنتج عن ذلك ما لا يُحمَد عُقباه، في الأمعاء التي ما إن أخرجناها من أحشاء المُشرَّح حتى صعب علينا إرجاعها كما كانت، في الكلية التي لا يتجاوز حجمها حجم قبضة اليد ولولاها لهلك الإنسان، الكلية التي تُنقّي ما يصل إلى ١٨٠ ليتر من الدم يومياً، في القدمِ التي تصغر العديد من الأعضاء ولكنها قادِرة على حمل الجسم كله بل والمشي والركض به، فيسير الإنسان حاملاً على قدمه عشرات الكيلوغرامات دون أن يشعر بثقلٍ أو عجز.



رأيتُ الله في رحم الأُنثى، الذي -حتى وهو مُتّصل بالمهبل- لا يتجاوز طول ذِراعي وعرض كفّ أحدهم! في عضلاته القابِلة للتمدد حتى لو دعا حجم الجنين لوصول الرحم لأسفل الحِجاب الحاجز لفعل دون أن تنقص من قدرته على إحاطة الجنين بعناية شيئاً، في الحبل السِرّي الذي يربط الطفل بأمه فتُغذّيه وتمدّه بالأجسام المُضادّة وتُخلِصه من الفضلات، في ثدي الأم وغدد اللبنِ فيه، الثدي الذي ما إن تحمل الأم بإبنها حتى يتهيأ لتغذية ذلك الإبن.





رأيت قُدرة الله في الأوعية الدموية، كيف لهذه الشبكة العظيمة أن تحمل بين أوعيتها حوالي الخمسة ليترات من الدم وتضخّها لكل عضو ونسيج في الجسم دون آمرٍ أو ناهٍ؟ في أوردة الساق التي تُسيّر الدم عكس قوانين جذب الكُرة الأرضيّة، في الأعصاب المُتوزِّعة في أنحاء الجسد، بعضها ناقل للإحساس والبعض الآخر باث للحركة وقد يقوم العصب الواحد بكلتي المُهمتين، يالله! ما أقرب الدماغ والحبل الشوكي للأعصاب، ما أسرع وصول تلك الرسائل العصبيّة للجهاز العصبي المركزي وسرعة استجابته لها، وإن وصلته رسائل عدة من أعضاء مُتفرِّقة لاستجاب لكل منها دون أي تباطؤ أو كسل.
فسُبحان مَن خلقنا في أحسنِ تقويم، وجعل معاجزه فينا ولم نُبصِرها، وحين أبصرنا بعضها لم نشكره حقّ الشكر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



- من المَعيب حقاً أن تكون طالب/ة طب وَ قد أمضيتَ/تِ جل وقتك في دراسة معجزات الجِسم البشري و الجمال الذي لا يُصَدّق لعلم التشريح وَ ما فيه، وَ تظلّ تعتقد بأن وجودك في هذا الكون محض صُدفة ! اصحَ يا صديقي، أنا و أنت معجزات الخالِق... الله <3



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عصب العين ينشأ من مجموعة خلايا عصبية في شبكية العين، تكون ألياف البصر، ما يعرف بالعصب البصري الذي يغوص في الدماغ في مسار معقد. كتبت هذه المدونة في بداية دراستي للطب لذلك -الآن- أجد الجملة أعلاه غير دقيقة.

رُكنِي الدافِئ

هذه التدوينة نتيجة إلهام من منشور الصديقة فاطمة الزهراء 💖 حين سألَت عن شعورنا تجاه غُرفنا وهل نعتبرها مساحة آمنة نحبها ونرتاح فيها أم ننفر...