الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

٢٠٢٠ سنة عائمة بين المَوت والحياة

 ها قد بدأ آخر شهر في هذه السنة الكبيسة، الغريبة، المليئة بالأحداث منذ بدايتها سواء على الصعيد العالمي أو الشخصي.

كانت أخبار المرض المُعدِي المُنتَشِر في الصين قد شغلت العالم، ولكن ليس بِمعنى الانشغال التام بها، لا، بل كُنّا نضحك ونستهزأ، فتتساءل إحدانا: هل أُلغي طلبية الملابس من موقع شي إن؟ ويتساءل آخر: هل أستمر بالشراء من موقع علي إكسبرس؟ وكلما سمعنا عطسة أو كحّة ضحكنا وقلنا: "لا يكون كورونا"؟ فيضحك الشخص ببرود: لا، لم أذهب للصين. حتى نهاية فبراير ونحنُ ننظر لهذا المرض المُعدِي بأنه حدَث لا يجب أن يستحوذ على جُلّ اهتمامنا فهو "في آخر الدنيا" ولن يصل إلينا. إلى أن جاء الأسبوع الأوّل من مارس وبدأ الاستنفار العالمي، أُغلِقت المدارس والجامعات وأُرسِل الموظفين إلى منازلهم، خُصِّصت معظم المستشفيات لاستقبال مرضى كورونا، سكن الذعر والرُعب قلوبنا، لم نعد نشعر بالأمان وبتنا نبتعد عن مَن نُحِب، وعن جيراننا.

عشنا أيامًا هادِئة جدًا، غريبة جدًا، بطيئة جدًا، تواصلنا مع أحِبّتنا أكثر، عن بُعد، قرأنا بعض الكُتُب، صقلنا بعض المهارات؛ منها التطريز بالنسبة لي، والخَبْز بالنسبة للكثيرين. حِكْت عدّة مشاريع كيروشيهية، حاولت بدء بودكاست لكني لم أُفلِح، ابتدأت أختي قناة على اليوتيوب لتعليم الحياكة بالتريكو (سنّارتين). قضينا وقتًا طويلًا أمام الشاشات، نشاهد ونتواصل ونتعلّم. كما قضيتُ وقتًا طويلًا في "البلكونة" بين القِراءة والمُذاكرة والأكل. تخلّصنا من بعض الملابس التي لم نعُد بحاجة إليها، أعدتُ ترتيب الأغراض في المطبخ والخزانة بجانب الباب. حاولَت أُختي زراعة بعض الشُجيْرات، "عشان تكبر معانا في هالحجر وتعيش معانا"، لم تُفلِح. بدأ كثيرون مشاريعهم التي كانت مُعظمها تُدَار من المنزل، وهناك مَن فقدوا وظائفهم ليزدادوا همًّا فوق همومهم.

وقفنا طويلًا في طابور المحلّات التجارية، عفوًا.. البقّالات والسوبر ماركتات والصيدليّات فقط، فقد أُغلِقَت الأسواق وكأننا نعيشُ حِدادًا على أحدٍ لا نعرفه.

كانت سيارة الشرطة تدور بين الأحياء وصوت يصدح من مُكبّر الصّوت أعلى السيارة: "الزموا منازلكم، نحن نعيش في زمن الوباء، الرجاء البقاء في منازلكم". وكان رجال الشرطة يسيرون في الشوارع ، يُفرّقون أي اجتماع لأكثر من شخصين، يُوقفون من لا يلبسون الكمّامات، يدوّنون المخالفات ويُغرّمون المُخالفِين، وأعلنوا في المنصّات الرسمية أنه من حق الشرطة سؤالنا في الشوارع عن وِجهتنا وأين نقصد. كُنّا نُتابِع التلفزيون البولندي، نتابع الإحصاءات أوّلًا بأوّل، نُقارِن بين مُدُن بولندا وبين بولندا والسعودية. نقرأ الأخبار في الشريط الإخباري: تم القبض على ٥ شباب اجتمعوا عند بقاليّة لأنه يُمنَع التجمّع، ويُمنَع خُرُوج أكثر من شخصيْن معًا للشارع، وتم تغريمهم ٥٠٠٠ زلوتي.

كان الشهر الكريم أكثر روْحانيّة بالنسبة لكثيرين، وصاحَبَ ذي الحجة حسرة على الحج وموسمه وقلّة الحُجّاج بسبب الجائحة. الموسم العاشورائي كان مُختلِفًا، فبعد أن كانت جُملة: "رحِم الله مَن ذكر القائم فقام" تتردد حتى يتراصّ المُستمعون ويتّسع المجلس لأكبر قدَر ممكن من الناس، أصبحت الحُسينيات تُغلِق أبوابها بِمُجرّد الوصول لعدد المُعزّين المسموح به والذي تعيّن من قبل، حسب مساحة المكان، من قِبل الجِهات المُختصّة. فُتِحَت المساجد، لم يقُل إمام الجماعة للمُصلّين: "استووا وتراصّوا"، بل كانت المسافة الآمنة حاضرة ومطلوبة حتى في صلاة الجماعة، وإن لم يلتزم المُصلّون بذلك فسيتم إغلاق المسجد.

فقدنا ابنة عمة أمي، وابنة خال أبي، تُوِفّيَت ابنة خالتي ولحقتها خالتي، ثم جدّتي، وابنة عم والدي وعم والدي.. هذا غير المعارف وأقارب الأصدقاء. كانت ولا تزال أخبار الموت تتوالى، وآلام الفقد تزداد، والحُجّة القائمة من التذكير بالآخرة عبر رحيل مَن نُحِب إلى دارٍ غريبة عنّا، نؤمن أننا سنزُورها يومًا ما، هذه الحُجّة أبت إلا أن تضع الشدّة تلو الشدّة على جيمها. جرّبنا ألّا نُعانق مَن نُحِب ونبكي على مَن فقدنا، أعني... جربتُ ذلك مِرارًا لأنني أعيشُ بعيدًا عن أحبّتي، لكن هذه المرّة جرّبوا ذلك الذين يعيشون على نفس الأرض ورُبّما في نفس الحي والشارع، جرّبوا أن يكونوا بهذا القُرب ولا يستطيعون التزاور أو المُواساة حُضنًا لحُضن، صارت التعزية عن طريق المُكالمات ورسائل الواتس آب. هُناكَ مَن لم يُودّع فقيدهُ الوداع الأخير، لا لِسفرٍ أو لبُعد، بل للإجراءات المُتعلقة بعدوى الكورونا. رحل الأحِبّة ولم يُشيّعهم أحد لمثواهم الأخير، أو لم يحظوا بالتشييع الذي يليق بهم، وحتى حين كان هناك القليل لتشييعهم لم يتمكّنوا من مجاورة الجسد ساعة دخوله القبر، بل كان الوداع مؤلمًا وقاسيًا.. مِن بُعد، هذه الحفرة جاهزة، وُضِعَ الجسد، لُقِّنَ أم لم يُلَقّن، أُحيل التُراب على العينين المُغمضتين، وتفرّق الجَمع... الذي لم يكن سِوى ٦ أشخاص مبتعدين عن بعضهم البعض.

هناك أيضًا المُناسبات السعيدة، الخطوبات وحفلات الزواج البسيطة، من الزواج بلا حفلٍ تمامًا إلى الزواجات في حديقة أو منتجع بحضور لا يتجاوز الـ٥٠ شخصًا في مجتمع تعوّد أهله دعوة ٢٠٠ شخص أو يزيدون لحفلاتهم.

مواليد جدد لم يسمح نظام المُستشفى لوالداتهم باحتضانهم بعد الولادة مباشرةً، أو أن يبقوا معهم في الغرفة. وأمهات جديدات لم يفتحنَ بيوتهنّ لمَن يعاونهنّ في العناية بالوليد والنفس والمنزل، ولا من مؤنس للياليهنّ.

هدايا كثيرة وصلت من الأحباب المُشتاقين إلى عتبات المنازل، علاقات توطّدت وأخرى عرّاها البُعد فلم تصمد.

مرضى زادتهم الجائحة مرضًا، سواء على الصعيد الجسدي أو النفسي، وأجد أكثر التأثير نفسيًا حتى الذي ينعكس على الجسد. ومرضى بالكورونا، منهم من تعب قليلًا ثم تشافى، منهم من لازم الفِراش لأسابيع ومنهم مَن رقد في غرف العزل بالمستشفى أو في قسم العناية الفائقة. منهم مَن شعر باقتراب الموت ثم وجد أنه كُتِبَ له عمرٌ جديدٌ، منهم مَن نسي أنه مرض بعد تماثله للشفاء ومنهم من ظلّ تأثير المرض على جسده حتى بعد انقضاءه.

امتنان لوجود الأهل والأحِبّة والأصدقاء، واهتمامهم. امتنان لجهود الطاقم الطبّي ووزراة الصحة وكل دائرة كانت سببًا في عبور الجائحة بأفضل صورة ممكنة. امتنان لأن العمر لم ينتهِ، حسرة على الذين رحلوا، وتذكّر للموت في كل حين.

سنة غريبة، كأننا على ظهرِ موْجة، مرة في أفضل الأحوال وأسعدها ومرة في أحلك أودية الحزن والضياع. الخائف ازداد خوفَا، المريض بالقلق ازداد قلقًا، والمُفرِط في السَكِينة لم تتزعزع سكِينته.

ستنتهي السنة، ولا زلنا تحت مظلّة الجائحة، هناك ٨٠٠٠ حالة مُعلن عنها اليوم في بولندا و٤٠٠ حالة وفاة. والخبر الجيّد أنه تم تصنيع عدة لقاحات لمواجهة الوباء. نتطلّع لليوم الذي نخرج فيه من منازلنا آمنين مطمئنّين، لا نشغل أنفسنا بالعدوى وطرق الوقاية، أتطلّع لليوم الذي سألتقي فيه أحبتي وأحتضنهم طويلًا دون الخوف من أن أكون سببًا في مرضهم أو يكونوا سببًا في مرضي.

أُمنيتي أن نحظى بأيام ألطف وأخفّ على قلوبنا، وأن ننعم بالأمان والسلام، ويجتمع الأحباب في خيرٍ وفرح، فليضحكوا كثيرًا وليبكوا قليلًا.. آمين 💖

الأحد، 30 أغسطس 2020

في رِثاء خالتي

 


بين الساعة والأخرى وأحيانًا من يومِ لآخر.. أشردُ بعيدًا عن مكاني وزماني وأسألُ نفسي: هو رحَلَت حقًا؟ هل رحلتِ يا خالتي الحبيبة.. بلا عودة؟ أسترجع أيامنا الأخيرة، أحاديثنا المطولة عبر الهاتف، حديثنا عن هذه الأيام الغريبة.. أيام الكورونا، الجلوس الإجباري في المنزل والخروج لطلب الرزق وشراء الأساسيات فقط لا غير، "أفلام" أحفادكِ، ضحكتكِ، سؤالكِ الدائم عن كل أفراد أُسرتي كلما تحادثنا: بعدها زينب تحب التفاح؟ حمّود ولدها زيها؟ ثم الحنين الذي لا تشائين إلّا أن تُعبّرين عنه فجأة هكذا.. وسط أحاديثنا: اشتقنا لكم.. متى بتجين؟ خاطري أشوفش، تذكيركِ لي بأن الطب كان حلمي منذ الطفولة، حلمي الذي.. أنسى أحيانًا أنني حققته، أنه إحدى الدلالات على أن الأماني تغدو حقيقة والدعاء يكون مستجابًا، دعائكِ الدائم لي "أنا كله أطلب لكم، الله يوفقكم ويردكم لنا سالمين.. اشتقنا لكم".

لماذا يرن صوتكِ في أذني الآن؟ / أسمعُ ضحكتكِ.. / أرى وجهكِ المُبتسم قُبالتي...

لماذا يبدو غيابكِ ككِذبة؟ هو هكذا فقد الأحباب، من الصعب على العقل إدراكه، هل ماتوا حقًا؟ -نقول-، وما الموت؟ -نتساءل-، يا ترى كيف هو شكل العالم الذي يعيشون فيه الآن؟

كنت أُحدّثُ نفسي قبل غيابكِ بساعات، أقول إنني أُحب الدقائق والساعات التي أقضيها في محادثتكِ، وبأنني غير مستعدة لأن تغدو مجرد ذكرى، هه.. يضحك الموت، يضحك القدر من ثقتي أنا.. الكائن البشري المحدود وتصديقي بأن عدم استعدادي لحدوث شيءٍ ما.. يجعل حدوثه مُستَبعَدًا، وما الدنيا؟ ما الحياة غير المُباغتات والمفاجآت والأحداث غير المُستَعَد لها؟

في اليوم الثالث لرحيلكِ، وقد كنتُ أعيش لحظة من لحظات استطعام مُرورة غيابك، تذكرتُ أنني صوّرتكِ بكاميرتي الفوريّة في لقائنا قبل الأخير، فأسرعتُ لغرفتي كي أبحث عن الصورة.. الكنز، ياللفرحة عندي صورتين مطبوعتين لي مع خالتي، وكالجدّات حين ينظرن صور أحفادهنّ، ضممتُ الصورتين لصدري وقبّلتُ وجهكِ الذي بات ذِكرى.. مُجرّد ذِكرى.

ياه، ياللدنيا، أنا وأنتِ وهم، كلنا.. مجرد وجوه تجيء وتذهب، تغيب فتستمرُّ الحياة، يقلبُ كتاب الحياة صفحتنا لا مُبالِيًا، تُشرق الشمس من جديد، يذهب الناس إلى أعمالهم، إلى السوق، إلى النادي الرياضي، وتمضي الحياة.. "عااادي".

لقد رحلتِ إذن يا خالتي، لم يعد دواء الشوق الاتّصال، مُذ ذهبتِ أُُصِبنا بشوقٍ لا علاج له، هي حسرة الأحياء على الموتى باقية وتتجدد كلما ضمّت الأرض جسدًا لِمَن يُحِبُّون، إلى رحمة الله يا خالتي الحبيبة، ما يُخفّفُ عنّي ألم فراقكِ الأبدي هذا هو إيماني بالعالم الآخر وأملي بلقاءٍ لا فراق بعده، إلى رحمة الله.

/

الفاتحة لفقيداتنا السعيدات، فقدناهنّ الواحدة تلو الأخرى، فقدهنّ كالحلم.. بل كالكابوس، حبيبات، عزيزات، لا نذكرهنّ إلا بالخير، أقرأ نُكَت ابتسام فأضحك وأقول يا بسمة كنتِ بسمة في حياتكِ وبعد مماتك، أسمع صوت خالتي زهراء في مقطعٍ أرسلته لي بداية السنة فأستشعر الحُب وعظم الشوق، أتذكر جدة أم عبد الله في آخر زيارة لي لدار أحبّتي، تحتضنّي وتُقبّلني المرة تلو المرّة، وهي التي عوّضتني عن فقدِ جداتي بحُبها وحنانها وسؤالها، إن أحبابنا هم صورة من صور رحمة الله في الأرض، الرحمة لكُنّ يا غاليات، فلتكُن الجنة داركنّ ومُستقرّكُنّ.

الاثنين، 25 نوفمبر 2019

مدونتي الثانية: جسر

مرحبا يا رِفاق،
أنشات في بداية السنة الميلادية مدوّنة ثانية لي، وفيها أنشر مقالاتي المترجمة سواء مع مجموعة نون العلمية أو الترجمات الخاصة للمدونة، ستكون هذه التدوينة مرجعًا لمن يود قراءة مدونتي الأخرى منكم، سأُحدّثها كلما نشرت مقالًا في مدونتي الأخرى.
أسعد بتواصلكم معي واقتراحاتكم عليّ.. بإمكانكم اقتراح مقال للترجمة أيضًا إن أحببتم وإذا كان مناسبًا للترجمة من وِجهة نظري سأترجمه. أُرحّب بانتقاداتكم البنّاءة، وأُذكّركم أنني لستُ مُختصّة في الترجمة بل أمارسها حُبّا فيها وحُبّا في الكتابة :) كما أُذكّركم بأنني لا أتفق بالضرورة مع كل ما أُترجمه.
المقالات المنشورة على مدونة جسر:
١. مُقدّمة
٢. مقالاتي المترجمة مع مجموعة نون العلمية - يتم تحديث هذا القائمة باستمرار
٣. كيف تدير مشاعرك القوية؟
٤. ٩ أنواع من التوتر العضلي ناتِجة عن المشاعر المكبوتة ـ الجزء الأول
٥. ٩ أنواع من التوتر العضلي ناتِجة عن المشاعر المكبوتة ـ الجزء الثاني
٦. ٩ أنواع من التوتر العضلي ناتِجة عن المشاعر المكبوتة ـ الجزء الثالث

أتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة :)

الجمعة، 22 نوفمبر 2019

ما الذي يشعل فيك الشعور بالذنب؟

مرحبًا يا أصدقاء،
كنتُ قد نويت أن أكتب أكثر عن الصحة النفسية، لا بطريقة أكاديمية ولا بكلامٍ مُنمّق ومدروس، بل من تجربة شخصية وخبرة حياتية بسيطة ونِتاج العلاج المعرفي السلوكي الذي سلكتُ طريقه لعدّة أشهر في محاولة لزيادة اتصالي بنفسي وفهمي لجوانبها التي لا تعجبني. وقد كتبتُ عن رغبتي في كتابة تدوينة عن الشعور بالذنب ومثيراته في مجتمعنا ووجدت تفاعلًا واهتمامًا من متابعيني على تويتر، لكنني كنت أُأجّل كتابتها ونشرها، ربما لاِنشغالي الفِعلي أو لأنني شعرتُ بالخجل من الكتابة بصراحة عمّا يؤثر عليّ ويؤذيني، خصوصًا أنني لاحظت أن السبب الرئيسي الذي يقبع خلف الشعور بالذنب هو خوفي من نظرة الناس لي.. وبالتحديد خوفي من أن أُخيّب ظنونهم... يعني أن تفاعلي مع الموقف هو المؤثر الأول لا الآخرين، وهذه إحدى مشاكلي العميقة التي وقفتُ قُبَالتها مِرارًا وتكرارًا في رحلتي نحو نفسي، ثم بدأت بكتابة جمل مبعثرة في دفتر مذكراتي أو في ملاحظات جوّالي حتى جمعتها في هذه التدوينة.

كان أي فعل أو قول يتعارض مع جعلي الفتاة الجيدة، الرزينة، المـؤمنة، المثالية يشعل فيّ شعورًا بالذنب؛ مثل أن أبدأ بنفسي، ألم نسمع مرارًا وتكرارًا أن الذي يجعل نفسه أولًا هو أناني بالضرورة؟ وأن الإيثار حتى في أتفه الأشياء مطلوبًا؟مما يشعل فيّ الشعور بالذنب أيضًا، أن أتحدث بصراحة تتسبب بردة فعل حادة من المستمع.. حتى وإن كان معي الحق فيما قلت. كنتُ أصغر أخواتي وكنت كثيرًا ما أُوجّه بأن أحترم الكبير ولا أعلي صوتي أمامه ولا أرد له كلمة، ويجب أن أنصاع لكلامه حتى وإن لم يعجبني، اعترضتُ على ذلك منذ طفولتي فليس كل كبير يستحق الاحترام ولا، لا يجب عليّ أن أجبر نفسي على أشياء كثيرة فقط لأجل ألّا يزعل مني أحدهم، لكن الشعور بالذنب عند قول لا، أو توضيح خطأ الكبير أو الرد على كلامه الجارح والمؤذي ظل مُلازمًا لي حتى الآن.

وأشعر بالذنب أيضًا كلما اقتربتُ من شيءٍ لُقِّنتُ في صغري أنه خطأ.. أو ذنب، حتى مع تغيّر نظرتي وقناعاتي تجاهه كراشِدة. لاحظت أن الشعور بالذنب لا يكونُ دائمًا ظاهرًا وواضِحًا، فقد أجد نفسي منزعجة أو حزينة وغاضبة بلا سبب واضح، وعند تحليل المشهد أجدُ ترابطًا بين فعلٍ معيّن وهذه المشاعر الغريبة التي حلّت مكان الشعور بالذنب الذي لازمني في صغري كلما قاربتُ هذه الأفعال.

تقول معالجتي أنه من الجيد أن نمتلك هذا الشعور أحيانًا، فهو دلالة على صفاء النفس وصحوة الضمير لكننا يجب ألّا نجري دائمًا خلفه ونجعله المتحكم في أفعالنا، كما أننا حين نعطي أنفسنا عدة دقائق لنتوصّل لسبب شعورنا بالذنب في موقفٍ معين وندرك الأسباب ونعيها، قد نجد أننا فعلًا غير مذنبين، وربما نتذكر حادثة معينة أو ذكرى مرتبطة بإحساسنا المتزايد بالذنب مما قد يقلل من شعورنا بالذنب بعدها؛ فليس كل موقف نمر وسنمر به هو نفسه ذاك الموقف القديم... يا عقلنا اللا واعي.

الآن، أعيشُ في مرحلة أحاول فيها فهم دواعي هذا الشعور وأسبابه ومحفّزاته، أحاول أن أتعرّف عليّ وعلى المواقف التي تجاوَزَتنِي ولم أتجاوزها دون أن أُدرِك ذلك، أتحاور مع نفسي.. أكتب لها، أسألني السؤال تلو السؤال كي أصل للجذور وأُعالجها، لا أريد أن أفقد نبض الضمير هذا لكنني لا أريد نبضًا سريعًا.. متسارعًا.. يقضي على السَكِينة في داخلي ويكويني.

ما يؤذيني أيضًا، أن محاولاتي لمعالجة الشعور المتزايد بالذنب تفشل في أحيان كثيرة بسبب المؤثرات الخارجية، مثل لوم أو تقريع أحدهم، في مجتمعٍ كمجتمعنا.. نُلام إذا تصرّفنا كما شئنا.. لا كما يشاؤون أو يتوقّعون مِنّا، ونُلام إذا لم نسلك الطُرق التي يسلكونها، ونُلام حتى على قراراتنا التي تمسّنا وحدنا، ونُلام إذا أخطأنا حتى أبسط الأخطاء فالمطلوب مِنّا أن نكون ملائكة معصومين لا بشر طبيعيين نُصيب ونُخطِيء، بل ونُلام على قول الحق أحيانًا... مما يُضاعِف من الشعور المؤذي بالذنب، وبروحٍ حسّاسة تسعى لرضا الآخرين دون إدراك صاحبها.. أنّى يخفت الشعور بالذنب هذا؟


ماذا عنكم، أخبروني ما المواقف التي تُشعِل فيكم الشعور بالذنب؟

الخميس، 18 يناير 2018

مذكرات طالبة طب (٤) | مستشفى الطب النفسي

اليوم قابلنا مريضتين، الأولى في الثمانين من عمرها والثانية لها من العمر ٣٩ سنة.
سألنا الأولى عن حياتها: كل شيء في حياتي يعجبني (بعيدا عن الحالة الصحية) فأنا لديّ أصدقاء وعائلة يحرصون على سعادتي وراحتي، أذهب للنادي يوميًا، أحضّر العشاء لأصدقائي في الليل، أحفادي يزوروني بإستمرار، لا أريد أن أغير أي شيء في حياتي الحالية. ولكن تمنيت لو أنني غيرت تخصصي، ولم أُكمل في التخصص الذي أجبروني عليه.
- ما هو تخصصكِ؟
* مهندسة
انبهرت! نظرت إليها بإعجاب وقلت مباشرة: وااااو!
سألناها ماذا كان من الممكن أن تكون لو لم تستمر في دراسة الهندسة
* مترجمة، فأنا أتقن اللغة الفرنسية وبدأت بالترجمة بالفعل لكنني توقفت بعد ذلك، وددت لو أنني استمريت في الترجمة وتعلمت لغات أكثر، قبل فترة طُلِب مني ترجمة أجزاء من الإنجيل إلى الفرنسية سعدتُ وشعرتُ بالرضا! 
في نهاية لقائنا سألتها إن كانت فكرت أن تتعلم اللغة العربية فقالت لي إنها فكرت في ذلك قبل سنوات عند زيارتها لسوريا، لكنها حين وجدت أن هناك لهجات عديدة للغة العربية شعرت بصعوبة تعلمها ولم تفعل
،
المريضة الثانية تحدثت كثيرًا عن المشاكل التي تعانيها في وظيفتها الحالية من مسؤوليات كثيرة وعمل متواصل على عاتقها، ومعاملة سيئة من قبل المسؤول عنها فهو يجدها أقل منه ويجد نفسه أفضل منها، هي تعمل كصحفية في كنيسة ما، رب العمل يظل يذكرها بالذنوب والآثام والعقاب، ويلزمها بتصرفات معينة سواء حال وجودها في الكنيسة وفي ساعات عملها أو بشكل عام في حياتها، فهو الذي نذر عمره لخدمة الرب... وهو الذي يعرف ما الصائب وما الخاطئ (أوضحت لنا أنها تؤمن بذلك)، وهي قد حلفت على الكتاب المقدس حين التحقت بالعمل بأن تلتزم بالقوانين وبالحفاظ على أسرار الكنيسة وغيره، تجد نفسها تعبت من كل هذه القيود، تشعر أنها في قفص
سألتها: ألم تفكري في تغيير وظيفتكِ؟
* نعم، بدأت في التفكير في ذلك
زميلاتي أيضًا علّقن على نفس النقطة، وفي نهاية حديثنا معها قالت أنها سعيدة لهذه الفرصة بالتحدث معنا وأنها تتمنى لنا التوفيق في دراستنا وحياتنا المهنية
قلت لها جملة أخيرة: الحياة أقصر من أن تبقي في مكانٍ لا تشعرين فيه بالراحة

..

الآن وأنا أراجع درس الطب النفسي وجدتني لا زلت أفكر في حديثهما، وكيف أن الصدفة جمعتنا مع الإثنتين في يوم واحد، ثمانينية سعيدة بحياتها رغم وضعها الصحي وتتمنى لو أنها غيرت وظيفتها حين كانت شابة، وثلاثينية تعاني من بيئة عمل سيئة ولم تغيرها لسنوات وهي مدركة أن لها تأثير على وضعها الصحي!

الأحد، 14 يناير 2018

ماذا اكتسبتُ من العيش وحدي؟

عشتُ معظم أيام السنة لوحدي.. لسنوات، في البداية لم يكن الأمر سهلًا وكنتُ أحتاج لعدة مكالمات طويلة مع أخواتي كي أبقى على قيد الحياة، وأعني بالبقاء على قيد الحياة ليس فقط التنفس والقلب النابض.. لا، أعني بذلك التمسك بالأمل والحماس، بالرغبة في فعل أشياء جديدة والاستمرار في مزاولة أساسيات حياتي بدءًا من الطبخ وترتيب البيت وتنظيفه حتى المذاكرة والذهاب للجامعة.
هنا عرفتُ نفسي، وهنا حاولت تهذيبها وتطويرها، وهنا فشلت في التخلص من بعض عاداتي وسيئاتي، وهنا اكتسبتُ عادات جيدة/ كبرت/ نضجت/ وتخلصت من بعض الجوانب التي لا أحب في شخصيتي. هنا حاولتُ أن أكون المثال الأسمى، وهنا تعلمتُ أن جمالي في طبيعتي وبشريّتي التي تحمل جانبين يكمل أحدهما الآخر: السيئات والحسنات، فتخليت عن نية السمو الفارغ المؤذي للنفس، ورأيت في السعي للتخلص من شوائب الروح سمو، وفي محاولات اكتساب الصفات الحسنة سمو، وفي المحافظة على الخير في داخلنا سمو.
أدركتُ معنى أن تكون مجرد زائر في الدنيا وترحل فجأة، ليس فقط لأنني فقدت من أُحِب بوفاتهم، لكن.. لأنني ذقت طعم الوحشة بعد ساعة واحدة من مغادرة أحد أفراد أسرتي/ صديقاتي المقربات من بيتي، لأنني جربت أن أندم لسوء تعاملي مع أحدهم.. وكنت حساسة جدًا لهذا الأمر لأنه للتو خرج من منزلي -فتمنيتُ لو عاملته بالحسنى فزيارته قصيرة-، لأنني رأيت كيف تتغير أحوالنا بين عشية وضحاها، كيف يبتعد هذا وذاك قبل أن نصارحهم بما نحمله لهم في صدرنا من خيرٍ وحب كثيرين.
تعلمتُ أن عائلتي أولًا، وأن طريق الحياة الصعب يزهر برفقة الصديق وأن الوحدة أفضل بكثير من رفيق السوء.
صرتُ صديقة نفسي، وأحببت نفسي أكثر وأكثر. وأدركتُ جيدًا مدى تأثير ذلك على كل جوانب حياتي، فالذي يحب نفسه يحافظ عليها، يسعدها، يهذبها ويسمو بها، الذي يحب جسده يحافظ عليه، يأكل جيدًا وينام جيدًا فآلام الضعف والمرض إذا زارته لن يشعر بها أحد غيره، وحده سيقاسيها ولو كان مُحاطًا بعشرات الأشخاص. الذي يحب نفسه ويرى تعبًا أو أرقًا أو قلقًا لا ينتهي يجب أن يسارع لعلاجها بنفسه أو بمساعدة من يحب أو بالذهاب لمعالج/طبيب نفسي، الذي يحب نفسه يحافظ على علاقته مع من يحب، ويحافظ عليهم وعلى صحتهم ومصلحتهم، الذي يحب نفسه يبعدها عن ما يحزنها -إن استطاع-، والذي يحب نفسه لا يحصر تفكيره في العالم الدنيوي فقط ولا في لحظة ما.. بذاتها.
الذي يحب نفسه يراها من جميع الجوانب فيرضى بها، ولا أعني بالنفس.. الروح فقط، فأنا هنا أنظر للشكل/ لطريقة العيش/ للجانب الروحي/ للدراسة/ للهوايات/ للحياة الإجتماعية والعلاقة مع الآخرين أقرباء كانوا أم غرباء... إلى آخر القائمة، عندما تنظر لنفسك ككل لن تحقّرها لأنها فشلت في الدراسة فقط بينما ربحت في الجوانب الأخرى/ أو لأنها لم تتميز بالذكاء الإجتماعي بالرغم من نجاحك في عملك أو غيره.. أعني هنا، حين تنظر لنفسك ككل، وتهتم لنفسك ككل، وتطور هذا اليوم وتطور ذاك غدًا، تفرح بجانبك هذا ولا يعجبك جانبك الآخر ستشعر ببشريّتك، وستقتنع بأنك لن تكمل أبدًا، لكنك لست فاشلًا أو ناقصًا تمامًا.. وستحبك أكثر. *
كنتُ ولا زلت، لا أبتعد أولًا، ولا أغادر دون عذر واضح، ولا أجامل أو أنافق. الذي أحبه أبقى معه، وأستمر في التواصل والسؤال عنه والذي لم أعد أشعر بأن وجوده مهم في حياتي أو أن وجوده مزعج ومؤذٍ لي فأبتعد عنه بالحسنى -قدر استطاعتي-.
آمنت بأن لكل شخص في حياتنا وقتٌ معين، لا أحد يرحل مبكرًا. وأننا يجب أن نتذكر الجانب الإيجابي من كل شخص وكل علاقة، وإذا أراد أحدهم مغادرتنا فليذهب بسلام.. ونعم يهمني أن أعرف أسباب رحيله لكنني أعلم أنه لا يجب عليّ أن ألحقه وأجرّه من يديه كي يبقى معي.


~ كل ما في الأمر أنني كنتُ أود التعبير عن رغبتي في الجلوس لوحدي بعد يومي الطويل، لذلك لم أنم قبل ساعتين.. فلم أنتبه إلا وقد كتبت كل هذه التدوينة :)
كان من المفترض أن أكتب شيئًا كهذا: لأنني اعتدتُ على العيش وحدي فقد صرت أحرص على الجلوس لوحدي في نهاية كل يوم أقضيه برفقة أهلي أو صديقاتي... على الأقل ساعة كاملة قبل النوم أقضيها بلا هدف ولا عمل ولا شيء.. لوحدي، وأشعر أن يومي ناقصًا بدونها.

* الكلام أعلاه لا يعني أنني أحظى بالسلام النفسي والرضى التام، كل ما في الأمر أنني تقبلت المد والجزر بداخلي واقتنعتُ أنهما جزء لا يتجزأ من بشريتي وأنني أتفهم نفسي أكثر من ذي قبل إذا ضعفت/ فشلت في شيء ما/ أخطأت. وفي هذا راحة لي وتخفيف من قلقي وتوتري وحدة لومي لنفسي.

** سؤال: كم مرة قلت نفسي في التدوينة؟ :p

الاثنين، 1 يناير 2018

تدوينة عفوية جدًا وغير مرتبة بمناسبة السنة الجديدة



01.01.2011 كان آخر رأس سنة عشته دون أن أقلق أو أخاف من القادم والماضي، الآن أنا مريضة بالقلق من رأسي حتى أخمص قدميّ، يأخذني القلق ويرمي بي في دائرة لا مخرج منها، اليوم أقلق على اختبار، غدًا أقلق على مستقبل، بعد غد سأقلق على أحد أحبابي وبعده سأقلق لأنه لا شيء لدي لأقلق عليه! 
حين أُفكّر بشكل واقعي، وهذا ما أفعله غالبًا، لا أستطيع إلا أن أقلق على مستقبلي وحياتي المقبلة، ونعم.. لديّ أسباب وجيهة لذلك، لا أقلق قلقًا عاديًا وحسب بس قلقًا مضاعفًا، مرة لأن ظروفي ليست عادية ومرة لأنني -على الأغلب- مصابة بإضطراب القلق العام.

__________


لا يهم، دعونا نهرب من القلق لذكر إنجازات سنة 2017:
1. في مارس، انضممت لعائلة نون العلمية وترجمت حتى الآن خمسة مقالات|  http://n-scientific.org/author/sondos

2. في أبريل افتتحت حساب على الإنستغرام لمشاركة ما قرأت وما أقرأ، أقتبس وأُصوّر وأُلخّص الكتب|  https://www.instagram.com/sondos3lireads/

3. صرتُ أكثر نشاطًا في الصباح، استبدلتُ مشاوير سيارات الأجرة بباصات النقل العام، وصرت أستغل هذا الوقت في قراءة/ الاستماع لكتاب أو مقطع صوتي مفيد
صرتُ بعدها أُفضّل الباصات على سيارات الأجرة في كثير من الأحيان، ولم أعد "أتأفف" من المشاوير الطويلة :)
وصرتُ أقدس لحظاتي هذه، أبدو وحيدة وسط زحمة الناس، لكنني غارقة في أفكار الكتاب الذي أقرأ/ منسجمة مع أحداث وشخصيات الرواية .. لستُ وحيدة أبدًا
4. ٣ إنجازات أخرى، لا أريد ذكرها :p

__________


التعلق/ البقاء المؤذي لم يعد يروق لي، والتخلي أصبح أسهل.
أما شعار المرحلة فهو: نفسي نفسي. لا أعلم إن كان هذا إيجابيًا أم سلبيًا لكنه يناسبني حاليًا.

__________


لا أحب أن أكتب/ أتحدث عن أهدافي أو خططي القادمة، لا الصغير والبسيط منها ولا الكبير، أحتفظ بها كسرٍ خطير، أسجلها في دفتري الخاص وأراقب نفسي بنفسي إن كنت أسعى بجد أم أتكاسل عن السعي لتحقيقها. أساعد نفسي بنفسي وأعيد إحياء أي حماس ينطفئ في داخلي بنفسي، أو أستعين بالمقربين كي يشعلوا شموع العزم في داخلي لأعود للسير في الطرق المؤدية لوجهتي التي أشتاق.

__________

من العادات الجميلة التي بدأتها في شهر مايو -حسب ذاكرتي xD- أنني بدأت بكتابة جدولي اليومي/ التعبير عما يخنقني/ يسعدني.. في دفتر بجوار سريري، ساعدتني الكتابة على التخفف، والتخلص من جزء من الشعور السلبي، وعلى تنظيم يومي التالي. وفي أكتوبر بدأت بالرسم أيضًا إلى جانب الكتابة، في دفتر مخصص لذلك، لا أرسم كل يوم لكنني قد أرسم عدة رسومات في ليلة واحدة. والرسم فعل تحرر وتخفف أيضًا :)

__________

سنون من القلق مضت، لا أدري ما الذي ينتظرني في قادم أيامي، دعاؤكم بأن تفوق مساحة الطمأنينة في قلبي... مساحة الإضطراب.
_________

ختامًا،
#القدس_عاصمة_فلسطين_الأبدية ❤
________

للذين يقرأون ما أكتب قبل أن أشارك رابط التدوينة في أي موقع للتواصل الإجتماعي، للذين يقرأون ويُعلّقون على ما أكتب، للذين يقرأون ويُصححون أخطائي اللغوية هنا وهناك (وجود الحُب 🖤)، سنة سعيدة يا أصدقاء.. وشكرا لكم 💕

رُكنِي الدافِئ

هذه التدوينة نتيجة إلهام من منشور الصديقة فاطمة الزهراء 💖 حين سألَت عن شعورنا تجاه غُرفنا وهل نعتبرها مساحة آمنة نحبها ونرتاح فيها أم ننفر...