المشاركات

مذكرات طالبة طب (٤) | مستشفى الطب النفسي

اليوم قابلنا مريضتين، الأولى في الثمانين من عمرها والثانية لها من العمر ٣٩ سنة.
سألنا الأولى عن حياتها: كل شيء في حياتي يعجبني (بعيدا عن الحالة الصحية) فأنا لديّ أصدقاء وعائلة يحرصون على سعادتي وراحتي، أذهب للنادي يوميًا، أحضّر العشاء لأصدقائي في الليل، أحفادي يزوروني بإستمرار، لا أريد أن أغير أي شيء في حياتي الحالية. ولكن تمنيت لو أنني غيرت تخصصي، ولم أُكمل في التخصص الذي أجبروني عليه.
- ما هو تخصصكِ؟
* مهندسة
انبهرت! نظرت إليها بإعجاب وقلت مباشرة: وااااو!
سألناها ماذا كان من الممكن أن تكون لو لم تستمر في دراسة الهندسة
* مترجمة، فأنا أتقن اللغة الفرنسية وبدأت بالترجمة بالفعل لكنني توقفت بعد ذلك، وددت لو أنني استمريت في الترجمة وتعلمت لغات أكثر، قبل فترة طُلِب مني ترجمة أجزاء من الإنجيل إلى الفرنسية سعدتُ وشعرتُ بالرضا! 
في نهاية لقائنا سألتها إن كانت فكرت أن تتعلم اللغة العربية فقالت لي إنها فكرت في ذلك قبل سنوات عند زيارتها لسوريا، لكنها حين وجدت أن هناك لهجات عديدة للغة العربية شعرت بصعوبة تعلمها ولم تفعل
،
المريضة الثانية تحدثت كثيرًا عن المشاكل التي تعانيها في وظيفتها الحالية من مسؤوليات …

ماذا اكتسبتُ من العيش وحدي؟

عشتُ معظم أيام السنة لوحدي.. لسنوات، في البداية لم يكن الأمر سهلًا وكنتُ أحتاج لعدة مكالمات طويلة مع أخواتي كي أبقى على قيد الحياة، وأعني بالبقاء على قيد الحياة ليس فقط التنفس والقلب النابض.. لا، أعني بذلك التمسك بالأمل والحماس، بالرغبة في فعل أشياء جديدة والاستمرار في مزاولة أساسيات حياتي بدءًا من الطبخ وترتيب البيت وتنظيفه حتى المذاكرة والذهاب للجامعة.
هنا عرفتُ نفسي، وهنا حاولت تهذيبها وتطويرها، وهنا فشلت في التخلص من بعض عاداتي وسيئاتي، وهنا اكتسبتُ عادات جيدة/ كبرت/ نضجت/ وتخلصت من بعض الجوانب التي لا أحب في شخصيتي. هنا حاولتُ أن أكون المثال الأسمى، وهنا تعلمتُ أن جمالي في طبيعتي وبشريّتي التي تحمل جانبين يكمل أحدهما الآخر: السيئات والحسنات، فتخليت عن نية السمو الفارغ المؤذي للنفس، ورأيت في السعي للتخلص من شوائب الروح سمو، وفي محاولات اكتساب الصفات الحسنة سمو، وفي المحافظة على الخير في داخلنا سمو.
أدركتُ معنى أن تكون مجرد زائر في الدنيا وترحل فجأة، ليس فقط لأنني فقدت من أُحِب بوفاتهم، لكن.. لأنني ذقت طعم الوحشة بعد ساعة واحدة من مغادرة أحد أفراد أسرتي/ صديقاتي المقربات من بيتي، لأن…

ما دُمنا قادرين على الطيران فلماذا نحبس أنفسنا في قفص؟

أتساءل، ما الذي يربط الإنسان رباطًا قويًا بقطعة من اليابسة لا يريد أن يتركها أو يبتعد عنها، رغم أنه غير مستقر فيها. وأعني باللا استقرار هنا أي نوع من عدم الشعور بالأمان، مثل أن يكون فمه مُكمّمًا فلا يمكنه قول ما يريد لأن لكلماته ثمنًا باهضًا، أو أن يعيش وسط مجتمعٍ يريد أن يقرر عنه ويخطط عنه ويرفضه إن اختار لونًا مختلفًا لحياته، أو أن لا يجد عملًا شريفًا يكفيه عن سؤال هذا وذاك بسبب الحاجة لملبسٍ أو طعام.
أعتقد أننا لم نُخلَق لنعيش على نفس الأرض التي وُلِدنا عليها، ونظل وسط نفس الناس الذين توسطناهم ونحن في القماط. أعني أن هذا ليس الهدف الرئيسي للحياة، أعلم.. وأدرك تمامًا أن الإنسان يستأنس بالناس وأن الأهل والأصدقاء إذا ما كانوا قريبين من الروح فهم نورٌ يضيء لنا الطريق وهم سندٌ لنا حين تعصف بنا الأقدار، وهم عصانا التي نتوكأ عليها... أعرف هذا كله، ونعم.. جربتُ مرارة الشوق ولوعة الفراق وألم الفقد، لكنني أبقى مقتنعة -في هذه الفترة من حياتي- أننا لم نخلق لذلك. رأيت كيف يشعرنا التعلق بالأرض والناس أننا قليلو حيلة وأننا لا نملك حظًا جيّدًا وأننا "كُتِب علينا الشقاء"... وأكثر من هذه الم…

الفقد

الذي لم يُجرّب طعم الفقد لا يعي الألم الساكن في قلوب الفاقدين، قد يستشعر بعضًا من الألم وقد يستهين بحجمه. أن تفقد أحدهم يعني أن يناديه لسانك كما اعتاد، فلا يجيبه، أن تذكره حين تأكل طبقه المُفضّل، تهمّ بالاتصال إليه كي تدعوه ليأكل مما تأكل، فتتذكر أنه لم يعد موجودًا. أن يذهب أحدهم بلا عودة يعني أن تشتاق للحديث معه، تحتاج إلى ردّات فعله التي تعجبك والتي تغضبك، تبحث عن مشورته التي اعتدت فلا تجدها. أن يموت عزيز عليك يعني أن تعرف طعم السهر المُر، الأرق، أنك إن نمت ستراه في الحُلم، ستراه وهو ميت، لكنك تفرح، بالرغم من خوفك من كل قضايا الموت وما بعده، إلا أنك تستبشر حين تراه، فترى أنك تغيرت… غيرك الفقد.
للفقد وجه مظلم، وهو الحنين الذي يدعونا لاحتراف الحزن والبكاء، لامتهان النعي والرثاء. إلا أننا لو دققنا النظر في درس الفقد الذي لا بد وأن نتعرّض له في حياتنا، لوجدنا أنه دعوة للتغيّر. لأن الموت حق، لأن الموت هو الحقيقة الوحيدة وكل ما دونه شك*، فأول رسائل الفقد: اليوم فقدتَ فُلان، قد تفقد شخصًا آخر يومًا ما، وستُفقَد حتمًا يومًا ما، فاسعَ لتكوين صورة جيدة لنفسك في ذاكرة مَن تُحِب، اسعَ لتكوين ذكر…

القراءة بلغة أجنبية (2)

ماذا استفدت من تجربة القراءة بالإنجليزية؟

بعد تجربتي الأولى، التي لم أجدها ناجحة تمامًا لم أكن متأكدة من أنني سأقرأ بالإنجليزية مرة أخرى. لكني تلقيتُ هدية من صديقتي وجود وكانت الهدية الرواية المعروفة الخيميائي/ The alchemist باللغة الإنجليزية، لم أُنهها بسرعة رغم قصرها، لم أفهم كل الكلمات لكنني فهمت معظمها وعند إنتهائي من قراءتها وجدت أنه بإمكاني القراءة بالإنجليزية، لِمَ لا؟
في إحدى رحلاتي في البحث عن كتاب على موقع Book despository رأيتُ كتاب "غولدا نامت هُنا" للكاتبة الفلسطينية سعاد العامري، وحين قرأتُ نبذة عن الكتاب عرفت أنه كُتِب بالإنجليزية وأن النسخة العربية ترجمها شخص آخر غير الكاتبة، فأردتُ شراء النسخة الإنجليزية كي أتعلم، ولأنه لديّ تجربة سيئة مع الرواية المترجمة "دموع القاتل" فقد كانت رائحة الترجمة تفوح في معظم كلمات الكتاب. ابتدأتُ بقراءة " Golda slept here" ، لم تكن الكلمات كلها سهلة، ترجمتُ ما احتجتُ لترجمته، قرأتها أسرع من سابقتيها فقد بدأتها في السادس من نوفمبر وأنهيتها في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، تتكون الرواية من 208 صفحة. بعدها بدأتُ …

القراءة بلغة أجنبية (1)

المحاولات، والتجربة الأولى في القراءة بالإنجليزية

بدأتُ بتعلم اللغة الإنجليزية "رسميًا" حين كنتُ في الصف الأول المتوسط (السابع)، وقبلها كان هناك عدة محاولات لتعليمي هنا وهناك، إحداها كانت محاولة لأختي الكبرى: بتول، لا زلتُ أذكر التمارين التي كتبتها لي على ورقة مقتطعة من دفتر عادي، أحد التمارين كان إيصال الصورة بالكلمة/ أو الحرف.. لا أذكر بالضبط لكنني أذكر الصور فذاكرتي بصرية.
أذكر أنني حاولتُ أن أقرأ قصص الأطفال الإنجليزية من مكتبة أبي، لكنني لم أُفلِح، أو فلنقل أنني كنتُ أنتظر وحيًا سماويًا يترجم لي الكلمات التي لا أفهمها -وما أكثرها-. لذلك لا أذكر أنني قرأتُ كتابًا إنجليزيًا قراءة حقيقية في تلك الفترة.
سافرتُ للدراسة، في فترة اللغة كان يتوجب عليّ أن أبدأ بقراءة القصص الإنجليزية، أذكر أن أختي عقيلة أرتني الرواية الإنجليزية التي قرأَتها حين كانت تدرس في معهد اللغة، اسمها Anne of Green Gables، ونصحتني بقراءتها أو قراءة أي شيء باللغة الإنجليزية لكنني لم أفعل، وانتهيت من مرحلة اللغة والتحضيري ثم دخلت الجامعة ولم أقرأ أي كتاب إنجليزي خارج نطاق دراستي. حاولت لفترة أن أقرأ مقالات إنج…

مذكرات طالبة طب (3) | الطب الجنائي

أنهينا اليوم "كورس" الطب الجنائي (الشرعي)، وأنا متحمسة منذ اليوم الأول للكتابة عنه وتوثيقه في مدونتي، وقد كتبتُ مدونة كاملة أول يوم لكنّي لم أنشرها.. شعرت أنها أثقل من أن تُنشَر، كتبت أخرى فجر الأمس وكنت مترددة هل أنشرها أم لا.. ربما أقتطع جزءًا من كليهما وأضيفه لهذه التدوينة. قضينا أسبوعين في التعلم العملي والنظري عن كيفية فحص الجثث وتشريحها لمعرفة سبب الوفاة وتوثيق آثار الإصابات والاعتداءات. تعلّمنا أيضًا طريقة الكشف على ضحايا الإغتصاب من الكِبار والصغار، وكيفية جمع أدلّة من ملابس الضحيّة وجسدها لمعرفة هوية المعتدي. حين دخلنا المشرحة، وهي ليست المرة الأولى لنا فيها (أعني المشرحة بشكل عام وليست هذه المشرحة على وجه الخصوص)، حيث دخلناها مرات كثيرة في سنتنا الأولى، لكن الفرق هنا أننا، في المشرحة الأولى، كنا نرى جثث لأشخاص توفوا منذ وقت طويل وقد وضعت في أجسادهم مواد حافظة حتى لا تتحلّل. هذه المرة نحنُ نرى جثث توفيت قبل أسبوعين على أكثر تقدير.. وربما أقل، لم تُحفظ بفورمالين ولا غيره. كانت الهيبة أكبر، شعرتُ برعشة بسيطة... لم أشعر بها من قبل.. ودارت في رأسي أفكار كثيرة.. وشعرت بالح…