الجمعة، 20 يونيو 2014

رسالة صباحية

صباح الخير أيها العزيز، ما أحلى الصباح إن كنتَ أول مَن زار فِكري فيه، وما أبهاه إن ابتدأته بكتابة رسالة إليك، من أين أبدأ؟ غدًا أول اختبار لي في آخر سنة دراسية في كلية الهندسة، وما إن أنتهي من الاختبارات وحفل التخرج حتى أبدأ بالاستعداد لاستقبال مولودي البِكر، مولود.. نعم إنه مولود ذكر، هكذا قالت ليَ الطبيبة وقد ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتيها، أتعلم؟ لم نختر له اسمًا بعد، أردته "محمد" وأراده زوجي "علي"، سمعتنا خالتي نتناقش حول الاسم فاختارت له "مُحسِن"، عمي يريد أن يُسمّيه "خالد" لأنه يؤمن بأنه لكل امرء من اسمه نصيب، وإن كان خالدًا فسيُخلّد، أعجبني منطق عمي لكنني لا زلتُ مُصرّة على تسميته بإسم الحبيب مُحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، مؤخرًا لم نعد نتحدث في أمر تسميته، لربما جاء مُسمّىً، أعني.. لو وُلِد في مناسبة ما فسيجيء اسمه معه، لا عليك.. سأعلمك ببقيّة أخبارنا، أختي فاطِمة قُبِلت في كلية الحقوق وستبدأ مسيرتها الدراسية بعد ثلاثة أشهر، يتملّكها الحماس لخوض مغامرة الدراسة الجامعية ويتملّكني بعض الخوف، أخاف عليها من شدة الحماس، قد يتحوّل إلى احباط شديد، مممم وقد يتحول إلى مجهود تُشكَر عليه ونتائج تفرح ونفرح بها، حسناً يجب أن أنظر للجانب المشرق، دائمًا وأبدًا =) بالمناسبة، أمي لا زالت كما كانت، لا تنام قبل الشروق، تقول بأن نومها سيُفوّت عليها رِزقها، وأقول: الله لا يكتب لك الرزق لكي يمنعك إياه، بل كي يُمتّعك به، أو لربما يمتحنك، ماذا بعد؟ أخبرني عنكَ يا ابن أمي الغالي؟ كيف تقضي لياليك وأيامك؟ ماذ تأكل؟ ماذا تقرأ؟ ألا زلت تكتب الأشعار والقصص القِصار كلما مللت؟ أم صرت مثلي، أكتب حين أفرح، وحين أحزن، حين أملّ، وفي أوج استمتاعي، حين أشعر بالوحدة، وحين أتوسّط صخب الناس؟
-وتعود لتسرقني من الوقت والزمن، انشغلت بالكتابة لك عن قطار الساعة السابعة، لقد فاتني، لا عليك سألتحق بالقطار التالي، بعد نصف ساعة-
أتعلم يا صديق الروح؟ اشتقتُ إليك، أفتقدك، وكما نقول "مكانك خالي" فمتى تعود؟ متى تعود لتزيد الفرحة فرحة ولتضيء في أيامنا الشمعة تلو الشمعة؟ متى تعود كي نتشاجر كما كنا نفعل حين كنا صغارًا؟ أتذكر؟ حين ذهبنا لبيت الجيران وأمرتني أن أقطف الثمار من شجرتهم وحين فعلت ورأتني جارتنا التي لا تمل من الغضب هربتَ أنت وتعرضت لوحدي لضرباتها القاسية، أذكر أنني بكيتُ كثيرًا، وعدتُ إلى المنزل ورغبة تجتاحني بأن أوسعك ضربًا، لكنني رأيتك تبكي عليّ أكثر مما بكيتُ، ولم أضربك بل أحطتك بذراعيّ ومسحت دمعاتك الغالية بيديّ، كانت أيام جميلة، أعلم أنها لن تعود ولكنني أتطلّع إلى أيام أجمل، ومستقبل أفضل، أنتظر اليوم الذي سوف يجمعنا مجددًا بفارغ الصبر، أنتظره بكل الأمل والكثير من الدعاء، أدعو بأن يكشف الله ضرّك ويفكّ أسرك، ويرفع عنكَ ظلم مَن لا يخافه ولم يرحمك.
أخي، كُن قويًّا، لا تُبدد ثقتك وتعطيها لمن لا يستحقها، الله وحده أهل لها، لا تسجن نفسك حيث اعتقلوك، بل تحرر، وحرِّر، حرر عقلك، وعقول من هم حولك، كُن كيوسف حين دخل السجن فأحاله جنّة، وككاظم الغيظ الذي عاش ما عاش في السجن ولم يمنعه ذلك من الدعوة وهداية الناس، اصبر يا حبيبي، فمَن كتب لك هذا الاختبار يعلم أنكَ قادرٌ على تحمّله، فالله لن يحملك ما لا طاقة لكَ به، ثِق بذلك.. 
- جاء القِطار، سأودع الرسالة هذه في صندوق البريد علها تصلك بعد أيّام، كن بخير يا أخي الحنون وطمئِنّي عنك :') -

أختك المُحِبّة/ كوثر.

الأربعاء، 21 مايو 2014

الشبح

إنه السبت، الرابع من شهر أيّار، جلستُ على طاولة المذاكرة وانهمكتُ في قراءة كتابي الجامعيّ وكتابة ملاحظاتي وتلخيصاتي على ورقة جانبيّة، بينما أنا كذلك إذ يُطِل عليّ شبحٌ مخيف! كلما اقترب مني كُلما كبُر حجمه، شغلني به عن استذكار دروسي، نسيتُ الكتاب والكِتابة، تأمّلته، أنصتُّ إليه، استطاع أن يغزو عقلي وفِكري خلال دقائق معدودة، غافَلَني وسحب كتابي الذي أمامي! أخذ مني وقتي الذي لا يُستَرَدّ، أخذ مني كل ما أمامي ولم يرحل، وأنا.. لم أنهره، لم أطرده، لم أفعل!

في اليوم التالي...
استبدلتُ ملابسي بملابس مريحة تتناسب ووقت النوم، فرّشتُ أسناني، اطفأتُ الأنوار وتوجّهتُ ناحية سريري كي أنام فزارني ذات الشبح! سلب فِكري وتركيزي، سلب مني النُعاس والنوم، وأنا واقفة أمامه، مستسلمة له، لم أنبس ببنت شفة! لم أُبعِده، لم أطرده، بل استمعتُ باِهتمامٍ إليه وهو يُردد: إنها الثانية عشرة، يُؤسفني أن أخبركِ أن سبع ساعات لن تكون كافية لترتاحي وتستعيدي نشاطكِ، لن تكون سبع ساعاتٍ حتّى، بوجودي قد تصير ثلاث، ساعتين، لا شيء وأخذ يُقهقه وأنا أتأمله بخوف واستسلام. وبالفِعل، لم أنَم سوى ثلاث ساعات ذهبتُ بعدها لحضور محاضراتي الجامعيّة وكلي تعب ونُعاس.

وبعد عِدّة أيّام...
للتو أغلقت الهاتف، أجريتُ مكالمةً مع صديقتي لجين، قالت بأنها ستطبخ طبَقِي المُفضّل في الغد وتريدني أن أذهب إليها كي نتشارك وجبة الغداء، كم أنا سعيدة ومُتشوّقة للقائها وَ... يا إلهي! إنه الشبح، مُجدداً، جاءني يختالُ في مشيته، يزيد في ضحكته، يتحدث بنبرة حادّة قائلاً: يااه، أمامكِ الكثير لتُنجِزيه قبل الذهاب لصديقتكِ، فمتى ستنامين ومتى ستصحين ومتى ستستعدين للذهاب وتذهبين؟ أووه نسيتُ أيضاً - يضحك، يضحك، يضحك - أنتُنّ النساء - يضحك مُجدداً - ماذا ستلبسين وبأي العطور ستتعطرين وأي كحل أو أحمر شفاه أو.. أو..؟ أمامكِ مسير طويل قبل أن يحين وقت ذهابكِ للجين

.

الشَبَح، ليس إلا قلقاً، القلق الذي يُسيطِر علينا، يسلب منا أوقاتنا، يُبعثِر قدراتنا، يحرمنا من الإنجاز والنجاح، كلما استسلمنا له ولرفاقه :الخوف، التشاؤم واليأس، كلما فشلنا، لا يجب علينا أن نُقابِل القلق بوجهٍ شاحِب ونظرات مستسلمة وقوىً خائرة، بل يجب علينا أن نُحاربه ونتغلّب عليه، بالتوكّل، بالأمل والعمل والعملِ والعمل، العمل خير قاتلٍ للقلق وإخوته، اِعمل لنيل ما يتحدّاك القلق ويخبرك بأنك غير قادر على أخذه والوصول إليه وستصل إليه بإذن الله :)

الخميس، 8 مايو 2014

عونك يا رب فالحزن أخذ مني كل مأخذ


المطر ينهمرُ بغزارة، وكذلك دموعي، قلبي يعتصره ألم لا أعرف كُنهه أو مصدره، شهيتي للحياة مُختبئة خلف ستار من الحزن والكمد، نهاراتي باتت بلا شمس الحياة بعد لياليّ التي قضيتها بين أروقة السُهد والبكاء، شمس الحياة تبتعد عني شيئاً فشيئاً وأعلم أنّي وإن شربتُ ماء الدنيا كلها فلن ينفعني بلا شمس تبث فيّ الحياة، ها أنذا أذبل بعيداً عنها، أذبل شيئاً فشيئاً، أكادُ أنطفئ فأنقذني يا رب الحياة ومالك شمسها، أدركني يا موجد الماء وساقيه، ارحمني يا باث الروح الآملة في داخلي، ارحمني يا رب، يا أرحم من أمي عليّ، اِرحم بحالي، خلصني من هذا الحزن الذي أجهل مصدره، حررني من قيد الألم الذي يُكبّلني كلما هممتُ بزرع ورود الأمل في بستان حياتي، خذ بيدي نحو السعادة والرضا، نحو النجاح والفلاح، خذني إليك، خلصني من كل قيود التعاسة والشقاء، حررني من كل هم وغم فها أنا ذا أمد لك يدي بالدُعاء، خذ بيدي لساحة عطفك ورحمتك، املأ قلبي بالسكينة والطمأنينة، انزع منهُ كل الأحزان والأحقاد، ازرع فيه حبك وحب من يحبك، ازرع فيه فرحاً يُسكّن من روع حزني، يهِدّأني، وحين أبكي يمسح دمعي ويُرضيني ويُصبّرني... ربي يا رب، كُن معي، وإن صرتَ معي فمن ذا الذي أحتاج غيرك ليؤنسني؟ إن أردتَ لي الخير فمن ذا الذي سيُؤذيني ويؤلمني؟ إن كتبت لي نيل شيء فمن ذا الذي عنه سيمنعني؟ وحدك القادر، القاهِر، القوي، العزيز وكلنا لا شيء أمام عظمتك، كلنا نحتاجك وأنت الغني عنا، وحدك تبقى ونحن من يفنى... وحدك من سيساعدني لأخرج من قوقعة الحزن هذه إلى فضاء هناء الحياة، فإليك أشكو حالي وبكَ أستعين على تغييره وكلي ثقة بإجابتك لنداءاتي وتوسلاتي فأنت من قلت " ادعوني أَستَجِب لكم " ولا أَصدَق وعداً منك.

الأحد، 2 فبراير 2014

أنا أخاف الظلام، لكني أخشى الجوع أكثر

كتب مُخاطِباً أمه:
أماه يا حبيبتي، هذا الليل حالك السواد، عيناي تكادان لا تُبصران سِوى دموع أخي الصغير، أماه، انظري أخي يبكي، اسمعي أنينه، أماهُ أخي جائع مثلي وإني يا أمي الحنون أخشى الجوع أكثر من خوفي من ظُلمة الليل هذِه، أخاف أن يُغيّرني الجوع، فأستلذ بمال الآخرين ولا أسعى لنيل المال الحلال، زوجة أبي قالت بأنني أصغر من أن أعمل في مكانٍ ما وأكبر من أن تُطعمني بنفسها، أخبرتها أنني لا أريد منها أن تُطعمني ولا أن تطهو لي شيئاً، طلبتها أن تتركني وشأني ولا تظلمني بحرمانها إياي من نيل حقي ممّا يجلبه لنا أبي من طعامٍ أو شرَاب، رمقتني بنظرة ساخرةٍ غاضبةٍ ثائرة ثم ضحكت وقالت: اشكُني إلى أبيك إن استطعت، آه يا أمي، إنه اليوم الثالث منذ أن سافر أبي، هي لا تدعه يحادثنا على الهاتف فكيف ستسمح لي أن أشكو لهُ جورها وظُلمها وقسوتها؟ كيف سأخبره بضعفي من شدة الجوع؟ كيف سأحتمِل مجاعة المأكلِ والمشرب والمشاعِر؟ أماه، ستقرأين شكواي أليس كذلِك؟ تعدينني؟
أغلق رسالته وقد بللها بدموعه، وضعها تحت الوسادة ونــــــام

هُناك، على بُعد نهْريْن وبحر، يغط أباه في نومٍ عميـــق فتأتيه زوجته الراحِلة على هيئة ملاك:
فلذتا كبدي يكادان يهلكان من شدة الجوع، لم أكُن لأمنعك من الزواج ولكِنّي سأمنعك من أن تُهمل اِبنيْ وتُسلّمهما ليد زوجة أبٍ لا ترحم، أنا لا أطيق رؤية اِبنيّ وهما مُحاطان بالهموم والأحزان، وهما يُصارعان كل أنواع الجوع والآلام، سأدعو رب الجنة التي أقطن أن يجلبهما لي، وأنتَ ابقَ في دُنيا الجوْر تأكلك الهموم وتحيطك الأحزان وصورة اِبنيّ الصغيرين لا تُغادر عينيك التي ستبيضّ من الحُزن حتماً، لن تكون كظيماً، لن تكون أيوبِيْ البلاء، أنا لن أُسامحك ورب العزة سيفعل فيك ما يشاء

السبت، 28 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الثالث والأخير


في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذه التدوينة وما قبلها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.


هذه المرّة قابلنا مُتعافٍ من أذى الإدمان، قابَلَنا بوجهٍ مبتسم، رحّب بنا وعرّف عن نفسه، كان يتحدث الإنجليزية بطلاقة، ابتدأ حديثه بقوله: الإدمان هوَس والهوَس قد يكون بأي شيء، بمشروب، بمُخدِّر، بشخص، بفعل، بأي شيء، لولا أنني أُريد إفادتكم لما تحدثت عن ماضيّي الغير مُشرِّف فأنا لا أودّ تذكر تلك المرحلة من حياتي فقد كنتُ فيها مُصاباً بأكثر من إدمان ومهووساً بأكثر من شيء، من ضِمن الأشياء التي أدمنتها: الخمر، فكنتُ أعيش يومي كله غائب الذهن مهموماً حزيناً لا أنا قادرٌ على تركه ولا على الاستمرار في شربه، حتى عرفتُ عن مُنظّمة تساعد المدمنين في التخلص من إدمانهم والتحقتُ بها وكان العلاج فيها على مراحل وهو عِلاج نفسي وروحي بشكل خاص تتخلله جلسات دوائية ورِعاية طبيّة، ويتم بإجراء لقاءات أسبوعية مع مجموعة من المُبتَلين والمُتعافين وهو مُقسّم لأكثر من مرحلة:
في المرحلة الأولى: نذهب إلى الاِجتماع لنستمع إلى الأحاديث التي تُدار ولا يُسمح لنا بالمشاركة في الحوار إن كُنّا تحت تأثير المُسكِر أو كُنّا قد شربناه للتو حتى وإن كانت الكمية بسيطة
المرحلة الثانية * تبدأ حين نهجر المُسكِر ونترك شربه لنُشارك بشكل فِعلِي في الاجتماعات والحِوارات
* هذه المرحلة تكون بمُساعدة مستشفيات علاج الإدمان.
المرحلة الثالثة تكون بتغذية الجانب الروحي، بالعِبادات - صمتَ قليلاً وألقى علينا نظرة ذات مغزى ثم أكمل حديثه مُسترسِلاً : - أنا لا أُريد أن أتحدث عن مفهوم الرب عندكم ولا أريد أن أُشعِركم بشعور سيء أو ما شابه لكنني أريد أن أخبركم بحجم الراحة التي ملأت قلبي حين غذّيتُ روحي بالتعلّق بربّي، بالحديث معه، باِستِشعار وجوده، عرفتُ وقتها بأن ضياعي في السابِق كان بسبب ابتعادي عن ربي، عرفتُ أن كل الدوامة التي دخلتها وكل فعلٍ فعلته بقصد الهروب من الواقع كان في الحقيقة بسبب عدم معرفتي بالرب العظيم الذي يرعاني بيدِه الخفيّة ويهتم بي حتى وإن لم أُعره أي اهتمام، أنا سعيدٌ جداً لأنني أدركت وجود الله حولي ورعايته لي فهذا يُشعرني بالراحة، بالإطمئنان، بالأمان، وأيضاً.. أودّ أن أخبركم بشيء، لا تقولوا بأن الوقت تأخر لفعل شيء ما، لتصحيح مسارٍ ما، فدائماً هُناك متسعٌ من الوقت للتغيير للأفضل =)
أما المرحلة الرابِعة فهي مرحلة اكتشاف الذات، فيها ننظر في أنفسنا لنرى إلى ماذا تميل وماذا تمتهن وتُحِب وتهوى، ننمي هواياتنا ومهاراتنا ثم نبحث عن مصدر لكسب الرزق حتى نعيش حياة كريمة لا نحتاج فيها إلى أحد
المرحلة الخامسة هي المرحلة التي أعيشها حالياً، وهي مرحلة ما بعد العِلاج، مرحلة الراحة والسعادة، المرحلة التي نسعى فيها لإثبات مقدرتنا على البقاء من غير مُسكرٍ ولا غيره من الأشياء التي عكّرت صفو حياتنا، وأيضاً، لا زلنا نلتقي ببعضنا البعض ممن تماثل للشفاء ومَن هم في طور العِلاج
شكرنا للإنصات وودعنا بإسلوب لبق ولطيف ودعا لنا بالتوفيق في دراستنا الجامعية :)
كانت هذهِ آخر المدونات المتحدثة عن زيارتنا لمستشفى علاج الإدمان، شكراً لكل مَن وهبني بعضاً من وقته حين قرأ ما كتبت أو علّق عليه وشكراً لمَن بيّنوا لي بعض الأخطاء الكتابية التي كنتُ في غفلة عنها.
انقروا هُنا لقراءة الجزء الأول
وهُنا لقراءة الجزء الثاني

الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الثاني/٣

في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذه التدوينة وما قبلها وما بعدها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.

في اليوم الثاني، قابلنا رجلاً في نهاية الثلاثينات، قضى عشرين عاماً من عمره بين جنبات المُسكرات والمُخدرات، يبدو غير آبِهٍ لما آل إليه، يتحدث عن قصته المأساوية وكأنها بُطوليّة! يقول: إنهُ اسبوعي الثاني في هذا المشفى، لا أعلم إن كان سيُقدّر لي هذهِ المرّة أن أُنهي علاجي أم لا ولا أدري من أين يجب أن أبدأ بقص حكايتي، عشتُ خمسة أعوامٍ من عمري مع والِديْن مدمني كحول ثم ذهبا بي إلى جدّتي كي ترعاني ولم أرَ والِدِي بعدها حتى بلغت السابعة عشر، أذكر أنني كنتُ سعيداً جداً بعودة والدي للمنزل وحدّثتُ نفسي بأنها فرصة لتكوين علاقة معه لكنه لم يُعطِني أدنى فرصة للتقرب منه وسُرعان ما عاود الغياب، وقتها ابتدأت بشرب الكحول ثم تعاطيتُ الهيروين وعملتُ في ترويج المخدرات لحوالي السنة بعدها سُجِنت، وأنا في السجن قررتُ أن أترك ما أنا عليه ولا أُعاود السير في ذات الطريق إلا أنني خرجتُ بشهيّة أقوى لشرب الخمر وابتدأتُ بتعاطي الحشيش، ثم تعاطيت نوعين آخرين من المخدرات مع الشرب الدائم للكحول هذه قصة إدماني بإختصار، وعلى صعيد حياتي الشخصية، قبل حوالي السبع سنوات أو أكثر تزوجت وانفصلت وقبل أربع سنوات كانت لي علاقة بإحدى مدمنات المخدرات نتج عنها ابنة، أعتقد بأن هذا كل ما لديّ لأقوله.
ثم بدأنا بتوجيه الأسئلة:
- تقول بأن صديقتك (أم ابنتك) كانت مدمنة مخدرات أيضاً، ماذا عن ابنتكما؟ هل أصابتها تشوّهات خلقية أو أمراض متعلقة بإدمان والديها للمخدرات؟
* لا، فأمها تركت تعاطي المخدرات مُذ علِمت بأنها حامل
- هل هُناك أفراد آخرين من عائلتك يتعاطون المخدرات أو يدمنون شرب الكحول؟
* نعم، أختي مدمنة كحول وأحد أقربائي مدمن مخدرات، هذا القريب سكن معي فترة من الزمن خلال دراستي الجامعية لذلك عائلته تلقي باللوم عليّ ويقولون بأنني مَن ساقه إلى الإدمان
- هل أنهيت دراستك الجامعية؟
* نعم
- أنّى لك النقود التي تصرفها على الشرب والمخدرات؟
* والديّ يرسلان لي النقود مُذ كنتُ صغيراً حتى قبل عدة سنوات، وأيضاً من عملي كمُنسّق حفلات
- هل هي زيارتك الأولى لمستشفى علاج الإدمان؟
* هي المرة الأولى التي آتي بها طوعاً والمرة الخامسة إن عددنا تلك المرات التي أتيتها بإجبارٍ من عائلتي
- خمس مرات! كيف تعود للإدمان بعدما تتعالج في كل مرة؟! ومالذي يؤكد لكَ أنك لن تعود لما كنت عليه بعد هذهِ المرة؟
# قاطعتنا الطبيبة بقولها له: تعلمُ أن حالة كبدك المصابة بالالتهاب الوبائي (ج) متقدمة جداً وأنّ أي تراجع عن العلاج أو هروب من المصح سيُكلفك حياتك؟
* نظر في الطبيبة وأجابها: نعم أعلم، ثم أدار بوجهه ناحيتنا وقال: في المرة الأولى، وبعدما تماثلتُ للشفاء وغادرت السموم جسمي، خرجتُ من المشفى ورجعت للشرب في نفس الليلة فأنا لا أطيق رؤية شاربي الكحول دون أن أُشاركهم. أما عن المرات الأُخريات فدخولي للمصح لا يعني أنني سأخرج منهُ معافى، قد أهرب وأنا لم أُنهِ مدة العلاج بعد. وهذه المرة، لا أعلم لكنني لطالما أردت العناية بإبنتي، لا أريد لها العيش بلا أب
- هل تزورك ابنتك؟ كيف هي علاقتك بها؟
* علاقتي بها جيدة، وهي تزورني وأزورها وإن لم نتمكن من ذلك نستبدل الزيارة بمحادثة على الهاتف
- كلمة أخيرة
* أتمنى أن أتمكن من إتمام علاجي
خرجنا من المشفى ونحنُ شبه متأكدين من أنه لن يكمل العلاج وأن حديثه عن ابنته لا يعني بالضرورة أنه سيُجاهد رغباته من أجلها، أعني، هذا ما بدا لنا من طريقة حديثه اللا مُبالية

انقروا هنا لقراءة الجزء الأول
وهُنا لقراءة الجزء الأخير

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الأول/٣

في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذهِ التدوينة وما بعدها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.

في اليوم الأوّل، ذهبنا لمُستشفى علاج الإدمان، في طريقنا لمكان الدرس صعدنا على درجٍ مُسوّر بسور عالٍ، وصلنا للطابق الثاني، الباب مُقفل، فتحتهُ لنا إحدى العامِلات في المشفى، دخلنا للممر مُتجهين لغرفة الدرس ومن كل جهة هُناك بابٌ مقفل بِعناية، رحّبت بنا الدكتورة وابتدأت الدرس بسؤال: ما هي أنواع المشروبات الكحولية التي تعرفونها؟ ثم أخذت نظرة سريعة على الطلاب وقالت: أعلم أن بعضكم لا يشرب الكحول وقد يكون الكحول من الممنوعات في بلده :)
ثم بدأت بالحديث عن الكحول وآثاره العامة على الجسم إن شُرِب بجُرعات " عادية " ، ثم عرجت على قصصٍ عن تأثير تغييب الكحول للعقل وعن شرب الكحول بشكلٍ عام:
القصة الأولى كانت لشاب ثلاثيني يمتلك وظيفة مرموقة، مُتزوج وله أولاد وحياته الأُسريّة في أحسنِ حال، أقدم وهو تحت تأثير المُسكِر على قتل أم زوجته! فسُجِن لعدة سنوات وفقد عمله وطلبت منهُ زوجته الطلاق وأخذت حضانة الأولاد، وصارت حياته بعد ذاك اليوم مُختلفة تماماً عمّا قبله، كان في أحسن الأحوال وصار في أسوأها
قصة أخرى لطبيبة تشرب الكحول بكثرة، تقول المُحاضِرة: قلت لها مِراراً، أنتِ طبيبة وتعلمين مدى تأثير الإدمان على جسدكِ فلِمَ تسعين بنفسكِ للدمار؟ فتجيبني بأنها تعلم خاتمة أمرها لكنها لا تهتم لذلك، وبالفعل هي الآن تُعاني من التهاب الكبد الوبائي (ج) وحالتها حرِجة جداً ولا زالت مُدمنة على شِرب الكحول!
حدثتنا الدكتورة بأن هُناك نسبة عامة لشرب الكحول بحيث لا يؤثر كثيراً على الصحة وهناك نِسب خاصة بأصحاب بعض الأمراض والحالات الصحيّة فتكون نسبة الكحول المُناسِبة لهم أقل من نسبة الكحول المناسبة للآخرين، وأن بعض المرضى اللذين يزورونها يُخبرونها بأنهم اكتفوا بشرب كأس واحد (على سبيل المثال) مما يعني أنهم لم يشربوا الكثير ولكن تبعاً لحالتهم الصِحّية هم شربوا الكثير. عاودت إخبارنا بالقصص:
كان أحدهم في حفلة وكان هو و كُل مَن في الحفلة في حالة سُكْر، تحدّاه أحد الموجودين أن يشرب كأساً من الكحول النقي " إيثانول " وشربه كله فسقط ميتاً على الفور لكثرة الكحول التي شربها وبالتالي كثرة السموم في جسمه! تقول: الكل كان في حالة سُكر، ولأنهم تأخروا حتى صحوا مِن سُكرهم ولاحظوا سقوطه على الأرض فقد رحَل وهم لم يشعروا به، ربما كان بالإمكان إنقاذه لكنهم تأخروا حتى لاحظوه

- حان وقت الإستراحة، أخذَتنا لكافتيريا المُستشفى، فيها يأكل الأطباء والمرضى وزائروهم، ونحن ذاهبون للكافتيريا مررنا على كنيسة خاصة بالمرضى فقلتُ في نفسي: في كل مكانٍ وزمان، العِبادة من أجمل العلاجات وأهمها، ثم مررنا على غُرفة تحتوي على أجهزة رياضية خاصة بمُرتادي المسستشفى أيضاً، تساءلتُ في داخلي إن كانت غرفة كهذه موجودة في مستشفياتنا النفسية أو مستشفيات عِلاج الإدمان أو حتى في المستشفيات العادية 

انتهت الإستراحة لنُقابِل أحد نُزلاء المستشفى، شاب ثلاثيني، لا يُشبه المدمنين الذين نراهم في المسلسلات الخليجية ^^" ، طويل القامة ذو بطنٍ كبير، ألقى علينا التحيّة وجلس، كان يتحدّث بالبولندية والدكتورة تُترجم لنا حديثه وتترجم له أسئلتنا، طلبَت منه أن يتحدث عن قصة إدمانه وقدومه للمستشفى: إنه يومي الثالث في هذا المصحّ، لولا صديقتي لما أتيتُ إلى هُنا، وجودي في هذا المكان وسط المرضى والمُدمنين يُشعرني بالسوء، أنا لستُ مثلهم، هُم مرضى نفسيون ومدمنون وأصحاب سوابق - أخذ يبكِي - ثم أكمل حديثه: بدأت قصتي قبل سنة، حين توفى أخي المُراهق مدمن الكحول مُنتحِراً، فبدأتُ بشرب الكحول في نهاية كل اسبوع، أبدأ بالشرب من مساء يوم الجمعة حتى مساء يوم الأحد، ثم تطوّرت المسألة حتى صرتُ أشربه في وسط الاسبوع وذهبتُ لعملي عدة مرات في حالة سُكْر فطُرِدت منه، قبل ٣ أيام حاولتُ الانتحار ووقتها اتصلت صديقتي بالإسعاف وأخبرت المشفى أنني مدمن كحول وأحتاج إلى علاج فأرسلوني إلى مشفى علاج الإدمان وأيضاً ابتدأتُ علاجاً نفسياً لأنني مصاب بالإكتئاب، ثم بدأنا بتوجيه الأسئلة:

- هل لي أن أسألك إن كان أحد أفراد عائلتك مدمن كحول؟ غير أخيك طبعاً
* لا، فهم يشربون الكحول في المناسبات فقط
- هل حاولت أُسرتك أو صديقتك مُسبقاً مُساعدتك في التخلّص من الإدمان؟
* صديقتي كانت تحاول بشتى الطُرق أن تُبعدني عن طريق الإدمان بلا فائدة، حتى أنها حاولت أن تتركني لكنني لم أُبدِ رغبة في تركِ ما أنا عليه حتى حاولتُ الانتحار وجرى ما جرى
- مالذي تفكر في فِعله بعدما تنتهي من علاجك؟
* سأتزوج صديقتي التي ساعدتني في التخلص من هذا الداء المُخجِل! وسأبحث عن عمل أكتسب منه الرزق
- كلمة أخيرة
* أريد أن أُنهي علاجي بأسرع وقت ممكن فأنا لا أطيق الجلوس وسط هؤلاء المرضى، هذا ليس مكاني، كل مَن حولي مدمنون وأصحاب مشاكل وجرائم، أنا لستُ مثلهم، أنا أفضل من أن أقضي حياتي وسط هذا المكان الشبيه بالسجن.
انتهينا من تقديم الأسئلة، ودّعناه وخرجنا

حتى هُنا انتهى الجزء الأول من هذه التدوينة، أُرحّب بتعليقاتكم وأسئلتكم وانتقاداتكم البناءة لطريقة الكتابة :)
انقروا هنا لقراءة الجزء الثاني

رُكنِي الدافِئ

هذه التدوينة نتيجة إلهام من منشور الصديقة فاطمة الزهراء 💖 حين سألَت عن شعورنا تجاه غُرفنا وهل نعتبرها مساحة آمنة نحبها ونرتاح فيها أم ننفر...