الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الثاني/٣

في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذه التدوينة وما قبلها وما بعدها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.

في اليوم الثاني، قابلنا رجلاً في نهاية الثلاثينات، قضى عشرين عاماً من عمره بين جنبات المُسكرات والمُخدرات، يبدو غير آبِهٍ لما آل إليه، يتحدث عن قصته المأساوية وكأنها بُطوليّة! يقول: إنهُ اسبوعي الثاني في هذا المشفى، لا أعلم إن كان سيُقدّر لي هذهِ المرّة أن أُنهي علاجي أم لا ولا أدري من أين يجب أن أبدأ بقص حكايتي، عشتُ خمسة أعوامٍ من عمري مع والِديْن مدمني كحول ثم ذهبا بي إلى جدّتي كي ترعاني ولم أرَ والِدِي بعدها حتى بلغت السابعة عشر، أذكر أنني كنتُ سعيداً جداً بعودة والدي للمنزل وحدّثتُ نفسي بأنها فرصة لتكوين علاقة معه لكنه لم يُعطِني أدنى فرصة للتقرب منه وسُرعان ما عاود الغياب، وقتها ابتدأت بشرب الكحول ثم تعاطيتُ الهيروين وعملتُ في ترويج المخدرات لحوالي السنة بعدها سُجِنت، وأنا في السجن قررتُ أن أترك ما أنا عليه ولا أُعاود السير في ذات الطريق إلا أنني خرجتُ بشهيّة أقوى لشرب الخمر وابتدأتُ بتعاطي الحشيش، ثم تعاطيت نوعين آخرين من المخدرات مع الشرب الدائم للكحول هذه قصة إدماني بإختصار، وعلى صعيد حياتي الشخصية، قبل حوالي السبع سنوات أو أكثر تزوجت وانفصلت وقبل أربع سنوات كانت لي علاقة بإحدى مدمنات المخدرات نتج عنها ابنة، أعتقد بأن هذا كل ما لديّ لأقوله.
ثم بدأنا بتوجيه الأسئلة:
- تقول بأن صديقتك (أم ابنتك) كانت مدمنة مخدرات أيضاً، ماذا عن ابنتكما؟ هل أصابتها تشوّهات خلقية أو أمراض متعلقة بإدمان والديها للمخدرات؟
* لا، فأمها تركت تعاطي المخدرات مُذ علِمت بأنها حامل
- هل هُناك أفراد آخرين من عائلتك يتعاطون المخدرات أو يدمنون شرب الكحول؟
* نعم، أختي مدمنة كحول وأحد أقربائي مدمن مخدرات، هذا القريب سكن معي فترة من الزمن خلال دراستي الجامعية لذلك عائلته تلقي باللوم عليّ ويقولون بأنني مَن ساقه إلى الإدمان
- هل أنهيت دراستك الجامعية؟
* نعم
- أنّى لك النقود التي تصرفها على الشرب والمخدرات؟
* والديّ يرسلان لي النقود مُذ كنتُ صغيراً حتى قبل عدة سنوات، وأيضاً من عملي كمُنسّق حفلات
- هل هي زيارتك الأولى لمستشفى علاج الإدمان؟
* هي المرة الأولى التي آتي بها طوعاً والمرة الخامسة إن عددنا تلك المرات التي أتيتها بإجبارٍ من عائلتي
- خمس مرات! كيف تعود للإدمان بعدما تتعالج في كل مرة؟! ومالذي يؤكد لكَ أنك لن تعود لما كنت عليه بعد هذهِ المرة؟
# قاطعتنا الطبيبة بقولها له: تعلمُ أن حالة كبدك المصابة بالالتهاب الوبائي (ج) متقدمة جداً وأنّ أي تراجع عن العلاج أو هروب من المصح سيُكلفك حياتك؟
* نظر في الطبيبة وأجابها: نعم أعلم، ثم أدار بوجهه ناحيتنا وقال: في المرة الأولى، وبعدما تماثلتُ للشفاء وغادرت السموم جسمي، خرجتُ من المشفى ورجعت للشرب في نفس الليلة فأنا لا أطيق رؤية شاربي الكحول دون أن أُشاركهم. أما عن المرات الأُخريات فدخولي للمصح لا يعني أنني سأخرج منهُ معافى، قد أهرب وأنا لم أُنهِ مدة العلاج بعد. وهذه المرة، لا أعلم لكنني لطالما أردت العناية بإبنتي، لا أريد لها العيش بلا أب
- هل تزورك ابنتك؟ كيف هي علاقتك بها؟
* علاقتي بها جيدة، وهي تزورني وأزورها وإن لم نتمكن من ذلك نستبدل الزيارة بمحادثة على الهاتف
- كلمة أخيرة
* أتمنى أن أتمكن من إتمام علاجي
خرجنا من المشفى ونحنُ شبه متأكدين من أنه لن يكمل العلاج وأن حديثه عن ابنته لا يعني بالضرورة أنه سيُجاهد رغباته من أجلها، أعني، هذا ما بدا لنا من طريقة حديثه اللا مُبالية

انقروا هنا لقراءة الجزء الأول
وهُنا لقراءة الجزء الأخير

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

رحلة لمستشفى علاج الإدمان - الجزء الأول/٣

في مارس الماضي كانت لدينا دورة في الجامعة بعنوان: طب الإدمان، وكانت عن إدمان الكحول فإدمان الكحول من أكثر الأمراض -إن أحسنّا تسميته- انتشاراً في بولندا، وحتى حين نسأل عن بولندا نُجاب بأنها معروفة بكثرة شرب أهلها للكحول، في هذهِ التدوينة وما بعدها تجدون قصصاً لمرضى قابلناهم أو سمِعنا عنهم في أيام الدورة.

في اليوم الأوّل، ذهبنا لمُستشفى علاج الإدمان، في طريقنا لمكان الدرس صعدنا على درجٍ مُسوّر بسور عالٍ، وصلنا للطابق الثاني، الباب مُقفل، فتحتهُ لنا إحدى العامِلات في المشفى، دخلنا للممر مُتجهين لغرفة الدرس ومن كل جهة هُناك بابٌ مقفل بِعناية، رحّبت بنا الدكتورة وابتدأت الدرس بسؤال: ما هي أنواع المشروبات الكحولية التي تعرفونها؟ ثم أخذت نظرة سريعة على الطلاب وقالت: أعلم أن بعضكم لا يشرب الكحول وقد يكون الكحول من الممنوعات في بلده :)
ثم بدأت بالحديث عن الكحول وآثاره العامة على الجسم إن شُرِب بجُرعات " عادية " ، ثم عرجت على قصصٍ عن تأثير تغييب الكحول للعقل وعن شرب الكحول بشكلٍ عام:
القصة الأولى كانت لشاب ثلاثيني يمتلك وظيفة مرموقة، مُتزوج وله أولاد وحياته الأُسريّة في أحسنِ حال، أقدم وهو تحت تأثير المُسكِر على قتل أم زوجته! فسُجِن لعدة سنوات وفقد عمله وطلبت منهُ زوجته الطلاق وأخذت حضانة الأولاد، وصارت حياته بعد ذاك اليوم مُختلفة تماماً عمّا قبله، كان في أحسن الأحوال وصار في أسوأها
قصة أخرى لطبيبة تشرب الكحول بكثرة، تقول المُحاضِرة: قلت لها مِراراً، أنتِ طبيبة وتعلمين مدى تأثير الإدمان على جسدكِ فلِمَ تسعين بنفسكِ للدمار؟ فتجيبني بأنها تعلم خاتمة أمرها لكنها لا تهتم لذلك، وبالفعل هي الآن تُعاني من التهاب الكبد الوبائي (ج) وحالتها حرِجة جداً ولا زالت مُدمنة على شِرب الكحول!
حدثتنا الدكتورة بأن هُناك نسبة عامة لشرب الكحول بحيث لا يؤثر كثيراً على الصحة وهناك نِسب خاصة بأصحاب بعض الأمراض والحالات الصحيّة فتكون نسبة الكحول المُناسِبة لهم أقل من نسبة الكحول المناسبة للآخرين، وأن بعض المرضى اللذين يزورونها يُخبرونها بأنهم اكتفوا بشرب كأس واحد (على سبيل المثال) مما يعني أنهم لم يشربوا الكثير ولكن تبعاً لحالتهم الصِحّية هم شربوا الكثير. عاودت إخبارنا بالقصص:
كان أحدهم في حفلة وكان هو و كُل مَن في الحفلة في حالة سُكْر، تحدّاه أحد الموجودين أن يشرب كأساً من الكحول النقي " إيثانول " وشربه كله فسقط ميتاً على الفور لكثرة الكحول التي شربها وبالتالي كثرة السموم في جسمه! تقول: الكل كان في حالة سُكر، ولأنهم تأخروا حتى صحوا مِن سُكرهم ولاحظوا سقوطه على الأرض فقد رحَل وهم لم يشعروا به، ربما كان بالإمكان إنقاذه لكنهم تأخروا حتى لاحظوه

- حان وقت الإستراحة، أخذَتنا لكافتيريا المُستشفى، فيها يأكل الأطباء والمرضى وزائروهم، ونحن ذاهبون للكافتيريا مررنا على كنيسة خاصة بالمرضى فقلتُ في نفسي: في كل مكانٍ وزمان، العِبادة من أجمل العلاجات وأهمها، ثم مررنا على غُرفة تحتوي على أجهزة رياضية خاصة بمُرتادي المسستشفى أيضاً، تساءلتُ في داخلي إن كانت غرفة كهذه موجودة في مستشفياتنا النفسية أو مستشفيات عِلاج الإدمان أو حتى في المستشفيات العادية 

انتهت الإستراحة لنُقابِل أحد نُزلاء المستشفى، شاب ثلاثيني، لا يُشبه المدمنين الذين نراهم في المسلسلات الخليجية ^^" ، طويل القامة ذو بطنٍ كبير، ألقى علينا التحيّة وجلس، كان يتحدّث بالبولندية والدكتورة تُترجم لنا حديثه وتترجم له أسئلتنا، طلبَت منه أن يتحدث عن قصة إدمانه وقدومه للمستشفى: إنه يومي الثالث في هذا المصحّ، لولا صديقتي لما أتيتُ إلى هُنا، وجودي في هذا المكان وسط المرضى والمُدمنين يُشعرني بالسوء، أنا لستُ مثلهم، هُم مرضى نفسيون ومدمنون وأصحاب سوابق - أخذ يبكِي - ثم أكمل حديثه: بدأت قصتي قبل سنة، حين توفى أخي المُراهق مدمن الكحول مُنتحِراً، فبدأتُ بشرب الكحول في نهاية كل اسبوع، أبدأ بالشرب من مساء يوم الجمعة حتى مساء يوم الأحد، ثم تطوّرت المسألة حتى صرتُ أشربه في وسط الاسبوع وذهبتُ لعملي عدة مرات في حالة سُكْر فطُرِدت منه، قبل ٣ أيام حاولتُ الانتحار ووقتها اتصلت صديقتي بالإسعاف وأخبرت المشفى أنني مدمن كحول وأحتاج إلى علاج فأرسلوني إلى مشفى علاج الإدمان وأيضاً ابتدأتُ علاجاً نفسياً لأنني مصاب بالإكتئاب، ثم بدأنا بتوجيه الأسئلة:

- هل لي أن أسألك إن كان أحد أفراد عائلتك مدمن كحول؟ غير أخيك طبعاً
* لا، فهم يشربون الكحول في المناسبات فقط
- هل حاولت أُسرتك أو صديقتك مُسبقاً مُساعدتك في التخلّص من الإدمان؟
* صديقتي كانت تحاول بشتى الطُرق أن تُبعدني عن طريق الإدمان بلا فائدة، حتى أنها حاولت أن تتركني لكنني لم أُبدِ رغبة في تركِ ما أنا عليه حتى حاولتُ الانتحار وجرى ما جرى
- مالذي تفكر في فِعله بعدما تنتهي من علاجك؟
* سأتزوج صديقتي التي ساعدتني في التخلص من هذا الداء المُخجِل! وسأبحث عن عمل أكتسب منه الرزق
- كلمة أخيرة
* أريد أن أُنهي علاجي بأسرع وقت ممكن فأنا لا أطيق الجلوس وسط هؤلاء المرضى، هذا ليس مكاني، كل مَن حولي مدمنون وأصحاب مشاكل وجرائم، أنا لستُ مثلهم، أنا أفضل من أن أقضي حياتي وسط هذا المكان الشبيه بالسجن.
انتهينا من تقديم الأسئلة، ودّعناه وخرجنا

حتى هُنا انتهى الجزء الأول من هذه التدوينة، أُرحّب بتعليقاتكم وأسئلتكم وانتقاداتكم البناءة لطريقة الكتابة :)
انقروا هنا لقراءة الجزء الثاني

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

لماذا ينتفض جسدك وترتعِش فرائصك حين يأتي ذكر الموت؟

لماذا ينتفض جسدك وترتعِش فرائصك حين يأتي ذكر الموت وتُردد "لا زِلتُ صغيراً" ؟ "لستُ مُستعِداً" ؟ "أنا لا أريدُ أن أموت" ؟
الموت حتمي.. الموت حتمي أكثر من الأكل والشرب، بل هو اليقين وهما الشك... أنتَ، قد لا تضمن حصولكَ على لُقمة بعد ساعتين لكنك تعلمُ صدقاً بأن الموت آتٍٍ لا محالة، قد لا يُقدّر لك أن تحصل على حُلمٍ لطالما انتظرته، لكنّك ستموت سواء شئت أم أبيت، أنتَ، قد تفرّ من أسدٍ جائع، قد تفرّ من رئيسٍ ظالم، قد تفرّ من عدوٍ غاضب.. لكنك لن تفرّ من الموت. فلماذا ينتفض جسدك وترتعِش فرائصك حين يأتي ذكر الموت وتُردد " وش هالفال؟ بعد عمرٍ طويل إن شاء الله :| " ؟
نعم، لسنا مستعدون لسلكِ ذاك الطريق الحتمي، الذي إن حان وقت ذهابنا إليه لن يستنقذنا منه أب ولا أخ ولا حبيب ولا صديق. نعم، لسنا بشجاعة أن نقابل الإله العظيم بظهر مُحدَودب من الذنوب، نحنُ أضعف مِن أَن نُواجِه مَن سجّل علينا كل صغيرة وكبيرة من أعمالنا الحقيرة، مَن سيُحاسبنا على كل ما فعلنَاه حسب عِلمنا وفِهمنا، عِلمنا الذي إن قُورِن بعملنا لأبصرنا بأننا لم نعمل شيئاً لآخرتنا.

لأجل كل ذلك.. لأجلِ حتمية الموت، لأجل حتمية الحساب والعِقاب بعده، لأجلِ إدماننا الذنوب وضعفنا أمام شهوات الحياة.. أمرَنا ربنا العظيم بأن نجدد التوبة في كل حين حتى نكون جاهزين متى ما سقطت ورقتنا وحان وقت ارتحالنا من دنيا العمل الفانية لعالم الحساب الباقي.
نحن نأملُ من الرب العادل الرحيم أن ينظر إلينا بعين الرحمة لا العدل،  نطلب منه أن يرحمنَا ويرحمنا وفقط يرحمنا، نقول له لهُ كما يقول الأمير (عليه السلام) : " إلهي إن عاملتنا بعدلك لم يبقَ لنا حسنة وإن أَنلتَنا فضلك لم يبقَ لنا سيّئة "

وخير ما أختم بِه صوت قلبي العالي، مقطع من دُعاء كميل بن زياد :
"وَقَدْ أَتَيْتُكَ يا إِلـهي بَعْدَ تَقْصيري وَإِسْرافي عَلى نَفْسي مُعْتَذِراً، نادِماً، مُنْكَسِراً، مُسْتَقيلاً، مُسْتَغْفِراً، مُنيباً، مُقِرّاً، مُذْعِناً، مُعْتَرِفاً، لا أَجِدُ مَفَرّاً مِمّا كانَ مِنّي، وَلا مَفْزَعاً أَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ في أَمْري غَيْرَ قَبُولِكَ عُذْري، وَإِدْخالِكَ إِيّايَ في سَعَة رَحْمَتِكَ.
أَللّـهُمَّ فَاقْبَلْ عُذْري، وَارْحَمْ شِدَّةَ ضُرّي، وَفُكَّني مِنْ شَدِّ وَثاقي، يا رَبِّ ارْحَمْ ضَعْفَ بَدَني، وَرِقَّةَ جِلْدي وَدِقَّةَ عَظْمي، يا مَنْ بَدَأَ خَلْقي وَذِكْري وَتَرْبِيَتي وَبِرّي وَتَغْذِيَتي، هَبْني لاِبـْتِداءِ كَرَمِكَ، وَسالِفِ بِرِّكَ بي. يا إِلـهي وَسَيِّدي وَرَبّي، أَتُراكَ مُعَذِّبي بِنارِكَ بَعْدَ تَوْحيدِكَ، وَبَعْدَ مَا انْطَوى عَلَيْهِ قَلْبي مِنْ مَعْرِفَتِكَ، وَلَهِجَ بِهِ لِساني مِنْ ذِكْرِكَ، وَاعْتَقَدَهُ ضَميري مِنْ حُبِّكَ، وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرافي وَدُعائي خاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ! هَيْهاتَ أَنْتَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تُضَيِّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ، أَوْ تُبَعِّدَ مَنْ أَدْنَيْتَهُ، أَوْ تُشَرِّدَ مَنْ آوَيْتَهُ، أَوْ تُسَلِّمَ إِلَى الْبَلاءِ مَنْ كَفَيْتَهُ وَرَحِمْتَهُ. "

الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

أريد أن أبكي :(

لحظات الاِنكسار تِلك.. ما كان يجب عليّ أن أهرب منها إلى فضاء موقع تواصل اِجتماعي، ما كان يجب عليّ أن أتناساها لأبدأ محادثة واتس آب بكل وِد، ما كان يجب عليّ أن أرميها خلف ظهري وَأسير للأمام... كان يجب أن أُواجهها، أن أبكي.. أصرُخ، أُعبّر عن تهشّم آمالي، عن الحبَلِ بأحلامٍ قد تُجهَض في أي لحظة... قد تُولد خديجة فتموت... كان يجب أن لا أتجاهل اللحظات التي تلحقني كلما أعطيتها ظهري، كان يجب عليّ أن أُلاحظ تقوّسه واحدودابه مع كل لحظة أرميها فتتعلّقُ بي! أنا لم أستفِد شيئاً من المُكابرة على جِراحي، لم أستفد شيئاً من محاولة أن أكون ذات ذاكرة السمكة الذهبية حتى مع اِنكساراتها... محاولاتي كلها باءت بالفشل، نعم قد أمتلك ذاكرة السمكة الذهبية تجاه الأوامر التي تُملى عليّ يومياً، أو حتى تِجاه الوعود التي أتلفّظ بها... لكنني أصير ذات ذاكرة جبّارة حين أُواجه ألماً، جُرحاً.. أو اِنكساراً.

اليوم، وبعد شهرٍ من الكُتمان، أراني لا زلتُ عاجزة عن البكاء على اِنكساري، على حالي، على حلمي الذي يكادُ يولد خديجاً، حلمي الذي قَد يموت ساعة ولادته، حلمي الذي قد يأخذني معه حين يرحل، حلمي الذي إن رحل أعلمُ صدقاً بأنني سأتّشح بشحوبٍ مُمرِض، قد أمرض إن غادرني... قد أُلازم غرفة التنويم في مشفى من مشافي العاصمة التي لا تُشبه العواصم -وارسو-

وَالآن، لِمَ أكتُب؟ أنا لا أريدُ يداً مُسترسلة على لوحة المفاتيح أريدُ دموعاً تنساب على خديّ!!! اللعنة على جمود غددي الدمعيّة، هكذا هِيَ.. حين أُريدها أن تتحول إلى غيمة لتدرّ الدمع مدراراً أراها تصير حجراً جلموداً!!!!!

والآن، مالعمل؟ أريد أن أبكي، أنا أعترِف بأنني سيئة في مواساة نفسي، وسيئة أكثر في البكاء على آلامي، سيئة.... سيئة جداً!! لا أُجيدُ سوى الهذيان وكتابة الخربشات لِـ لا أحد </3

.

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

{ فَلا يَستطِيعونَ توصية وَ لا إِلى أهلِهم يرجِعون }

- أحان الرحيل؟ حقاً؟ أنظِرُوني أصلي ركعتين... أؤدي ديْني... أوصّي وِلدي... و لكن، أين وِلدي؟ كلٌ مشغوله وَ لاهٍ وَ أنا في هذا البيت المُوحِش وحدي...
ثم ارتحَل.

- يا إلهي، حتى في آخر لحظات حياتي أنا غير قادرة على الكلام، أمضيتُ حياتي خرساء... بكماء، وَ ها قد جاء ملَكُ الموت وَ أنا لا زلت عاجزة، أنا اليوم عاجزة أكثر من أي يومٍ مضى... كيف أُخبِر من حولي بأنني مُفارِقة لا محالة؟ كيف أعترف لهم بأنني لطالما تكاسلتُ عن أداء الصلاة لربما يصليها أحدهم بالنيابة عني؟ كيف...
وَ كانت الخاتِمة.

- الهدوء يطغى على الدار، كلٌ ذهب إلى فراشه... فلأُصلّي الليل ثم أنام. أ...أ... يا إلهي أهِيَ النهاية؟ لطالما انتظرتُ الفرج منك... وَ أردتُ الخروج من سجن الحياة إلى حياة الراحة، إلى دار لطفك وَ كرمك وَ رحمتك... الحمدلله الذي شاء أن يقبض روحي وَ أنا على عِبادة، وَ لكم وَددتُ أن أُوصي ابنتي بأن تسير على طريقي، بل بأن تكون أفضل مني... لكنني حتماً راحِل، وَ رحيلي لا يحتمل التأجيل... لو....
وَ انتقل إلى دار الخلود.

- يا إلهي، كلما وقعت عيناي على الأجهِزة ازدددتُ ألماً، فقد كنتُ أكثر أخِلّائي نشاطاً وَ اليوم أنا مُسجّىً على فِراش المرض وَ محاط بشتّى أنواع الأجهزة، غرفتي لا تكادُ تخلو من طبيبٍ أو مُمرّض، زوّاري... زواري يتحاورون مع بعضهم وَ أنا أسمعهم... وَ فقط أسمعهم، فجهاز التنفس الذي وُضع على أنفي وَ فمي يمنعني من الكلام.... يا إلهي!! أهذهِ آخر لحظاتي في الدنيا؟ إلهي.. يا ربي، أنا غير قادر على إزالة هذا الجهاز اللعين لأتحدث، كيف أخبر من حولي بأن لي على جاري ٥٠ درهماً... كيف ؟
وَ كانت النِهاية

...


* قال الله تعالى في كتابهِ العزيز : { كُتِب عليكم إذَا حضر أحَدكُم المَوت إِن تركَ خيراً الوصيّة للوالدينِ وَ الأقربين بالمعروفِ حقاً على المُتّقين }
* عن الرسول الكريم (صلى الله عليهِ وَ آله وَ سلّم) : "ما ينبغي لاِمرئ مُسلِم أن يبيت ليله، إلا وَ وصيّتهُ تحت رأسِه "

الأربعاء، 10 يوليو 2013

نصيحة لوجه الله أم إبعاد عن الله ؟


كثيرة هي النقاشات في تويتر وَ غيره حول الدين وَ شعائره وَ رفض البعض لهذه الشعائر وَ وَ وَ ... المشكلة أن الكل يتحدث وَ كأنه العارف الوحيد بالدين وَ الأعلم بأموره . حسناً... أنا أيضاً أعتقد بأن توجهي الديني صائب - وَ لو كنت أعتقد غير ذلك لتركته ! - لذلك حين أواجه توجهاً دينياً مختلفاً أُبدي رأيي أو نصيحتي إن لزمت. وَ لكن تبقى في الأخير نصيحة، وَ فقط نصيحة ! لا يحق لي وَ لا لغيري أن نجبر أحدهم على الإعتقاد بما نعتقد أو فعل ما نريد، خصوصاً في العبادة. العبادة التي هي من خصوصيات المرء مع ربه، التي لن يحاسبنا على تقصيرنا فيها أو تأديتنا لها سوى الله .
نعم، أوصانا ديننا بأن نتناصح { كنتم خير أمة أُخرِجت للناس تأمرون بِالمعروف وَ تنهون عن المُنكر } . و لكن العديد ممن يدّعي المناصحة يتخذ أسلوباً مُنفّراً من العبادة، وَ كأنه نسي أن " الدين المُعاملة " قبل أن يكون الصلاة وَ الصيام وَ النُصح وَ القيام، هذا رسول الله عليه وَ على آله أفضل وَ أتم التسليم يدعو الكفار وَ المشركين وَ الملحدين وَ حتى المخطئين من أمته بأحسن أسلوب وَ خير كلام حتى قال الله - تعالى - فيه : { وَ إنك لعلى خلق عظيم } . يقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في حق المُستنصِح : وَ أما حق المستنصح فإن حقه أن تؤدي إليهِ النصيحة على الحق الذي ترى لهُ أنه يحمل وَ تخرج المَخرج الذي يلين على مسامعه، وَ تكلمه من الكلام بما يطيقه عقله، فإن لكل عقل طبقة من الكلام يعرفه وَ يجتنبه وَ ليكن مذهبك الرحمة . وَ لا قوة إلا بالله .

تذكروا :
{ وَ لو شاء ربك لآمن من في الأرضِ كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }
{ لا إكراهَ في الدين }
{ وَ قل الحَق من ربكم فمَن شاء فليؤمِن وَ من شاء فليكفر }
{ فذكّر إنما أنت مُذكّر * لستَ عليهم بمسيطر }
فقط اقرأوا القرآن وَ تأملوه، ستجدون هذه الآيات وَ أمثالها، لا تقرؤوها كما تقرأون أي كلام عابِر، بل اعتبروا بها وَ تعلموا منها . وَ متى ما أردتم إسداء النصيحة أحسِنوا اللفظ حتى لا تُذهِبوا حسنات النُصح بسيئات التنفير مما نصحتم به، وَ تذكروا أن مهمّتكم هي النصيحة لا الإجبار حتى لا تُساعدوا في إنتاج المزيد من المنافقين المُبتعدين عن الدين { ادعُ إلى سبيل ربّك بالحِكمة وَ الموعظة الحسَنَة وَ جادِلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلمُ بمن ضلّ عن سبيله وَ هو أعلمُ بالمهتدين} .

الأحد، 7 يوليو 2013

لو !

لو وقتك ثمين، لا تقرأها =)

لو أن الليل ، برغم قصره ، ينتهي
لو أن الصباح سيكون بداية لا علاقة لها ببقايا المساء المُنصرم
لو أن الروح تُسافر حيث تشاء وَ يبقى الجسد في سجنه أينما كان 
لو أن لحظات الأسى تنتهي، وَ أيام البُعد تنطوي، وَ لحظات اللقاء تقترب
لو ...
لو أنني أمتلك قدرة أحدهم في نسج حرفه وَ إبراز مشاعره
لو أن أحداً دعاني إلى بحرٍ ليس بالقريب، لكنني أذهب في طرفة عين
لو أن الشتاء يعود وَ هذا الصيف الحارِق ينقضي
لو أن السعادة تُشترى 
لو أن حِسابي على الآسك مليء بالأسئلة، لما أجبت على الأسئلة التافهة تلك
لو أنني أستثمر وقتي بقراءة، بكتابة، بخياطة، بمشاهدة ما يطوّرني وَ ينمّي من قدراتي وَ عِلمي
لو أنني أفهم ماذا كتبت وَ لماذا ؟
لو أن أحدهم أوقف يدي المُنسابة على لوحة المفاتيح تكتب ما لا يعيه عقلي
لو أنني أُتقِن البولندية !
لو ...
لو أنني لا أُفكّر في نشر ما خطّته يداي
لو أنني لم أمتلك حساباً على تويتر
لو أنني أنشأت حساباً في الإنستغرام
لو كان حسابي البنكي في بنك الملينيوم !
لو ...
لو أنني أجرؤ
لو أنني أعترِف
لو أنني أتخلص من كل تلك الشوائب
لو أنني أسوق بنفسي لطريق أُبصر نهايته
لو أنني أستطيع أن أُبصر
لو أنني أمتلك قلادة من اللؤلؤ
لو أن خاتمي الزمرد لم يُغادرني... أعني...
لو أنني لم أتبرّع بخاتمي لأي ( أنا ) أُخرى
لو أنني لم أُعطِ فداء خاتمي الكهرمان !
لو أن أحدهم يهبنِي.... أيّ شيء !!
لو ...
لو أن البشر يمتلكون أذناً خارقة، تسمع كلام العقول
لو أن البصر مُنِح لكل الناس فيرون ما تُخفي الصدور
لو أنني أكبر لأتخرّج من كلية الطب هذه :/
لو أنني أغمض عينيّ ولا أفتحهما حتى سبتمبر وقد أُجيبت دعوتي
لو أنني كنتُ أعلم ....
لو ...
لو أنّ أحدهم دعاني لكوب من القهوة
لو أنني أُحب القهوة هههه
لو أن شخصاً ما يفهم ما اقترفته يداي !
لو ...

رُكنِي الدافِئ

هذه التدوينة نتيجة إلهام من منشور الصديقة فاطمة الزهراء 💖 حين سألَت عن شعورنا تجاه غُرفنا وهل نعتبرها مساحة آمنة نحبها ونرتاح فيها أم ننفر...